العودة   شبكة العوالي الثقافية > .: المنتديـــات الإسلامية :. > فضائل ومظلوميات أهل البيت عليهم السلام
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-01-2007, 08:11 PM   رقم المشاركة : 31

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 


3 ـ وأحبُّ الخلق إلى الله :
ذات ليلة أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طير مشوي ، فلم تطب نفسه أن يأكله لوحده ، فدعا ربَّه قائلاً : « اللَّهمَّ.. ائتني بأحبِّ الخلق إليك ليأكل معي هذا الطير » كان يتمنَّى أن يأكل معه أحبُّ الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ لتتمَّ البركة ويعمَّ الفضل ، وإذا طارق يحوم حول الباب ، وكان هناك من يمنعه ، يرجع ويعود يطرق الباب ، حتى أذن له في الثالثة أو الرابعة ، وإذا به عليُّ بن أبي طالب ، ولمَّا رآه رسول الله قال : « ما حبسك عنِّي » ؟! قال عليه السلام : « والذي بعثك بالحقِّ نبيَّاً إنِّي لأضربُ الباب ثلاث مرَّات ويردَّني أنس » (1) .
هكذا التقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أحبِّ الخلق إليه والى الله على مائدة النور.

4 ـ الا باب عليٍّ :
لمّا كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواب شارعة في المسجد النبوي الشريف ، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسدِّ الأبواب الا باب عليٍّ عليه السلام فتكلَّم الناس في ذلك ، فلمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولهم ، قام وخطب فيهم فقال : « أمَّا بعد.. فإنِّي أُمرتُ بسدِّ هذه الأبواب الا باب عليٍّ ، وقال فيه
____________
1) أنظر قصَّة الطائر المشوي بالمصادر التالية : سنن الترمذي 5 : 636|3721 ، الخصائص للنسائي : 5 ، فضائل الصحابة| أحمد بن حنبل 2 : 560|945 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 130 ـ 132 ، مصابيح السُنَّة 4 : 173|4770 ، أُسد الغابة 4 : 30 ، البداية والنهاية 7 : 363 ، جامع الأصول 9 : 471 ، الرياض النضرة 3 : 114 ـ 115 ، وقال الخوارزمي في مقتل الإمام الحسين : 46 : أخرج ابن مردويه هذا الحديث بمائة وعشرين إسناداً ، تذكرة الحفَّاظ : 1043.

--------------------------------------------------------------------------------

( 124 )

قائلكم ، والله ما سددته ولا فتحته ، ولكنِّي أُمرتُ فاتبعته » (1).
ومثله حديث « المناجاة » يوم الطائف ، حيث قال الناس : لقد أطال نجواه مع ابن عمِّه! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ما أنا انتجيته ، ولكنَّ الله انتجاه » (2) .

5 ـ الذائد عن الحوض :
إنَّه صاحب حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة ، يثبته قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « كأنِّي أنظر إلى تدافع مناكب أُمَّتي على الحوض ، فيقول الوارد للصادر : هل شربت ؟ فيقول : نعم ، والله لقد شربت ، ويقول بعضهم : لا والله ما شربت فيا طول عطشاه » (3) .
وقال لعليٍّ عليه السلام : « والذي نبَّأ محمَّداً وأكرمه ، إنَّك لذائد عن حوضي ، تذود عنه رجالاً ، كما يذاد البعير الصادي عن الماء ، بيدك عصا من عوسج كأنِّي أنظر الى مقامك من حوضي » (4) .
وفي رواية عن عليٍّ عليه السلام قال : « والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة ، لأقمعنَّ
____________
1) سنن الترمذي 5 : 641|2732 ، مسند أحمد 1 : 331 ، فضائل الصحابة 2 : 581|985 فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7 : 13 ، المستدرك 3 : 125 ، مجمع الزوائد 9 : 114 ـ 115 ، الرياض النضرة 3 : 158 ، الخصائص للنسائي : 13 ، الإصابة 4 : 270 ، جامع الأصول 9 : 475|6494 ، البداية والنهاية 7 : 374 و379 ، الخصائص بتخريج الأثري ح|23 ، 41.
2) سنن الترمذي 5 : 639|3726 ، مصابيح السُنَّة 4 : 175|4773 ، جامع الأصول 9|6493 ، تذكرة الخواص : 42 ، مناقب الخوارزمي : 82 شرح نهج البلاغة 9 : 173|21 ، الرياض النضرة 3 : 170 ، البداية والنهاية 7 : 369.
3) إعلام الورى 1 : 369 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 39 : 216|6.
4) مناقب ابن شهرآشوب 2 : 163 ، مناقب الخوارزمي : 60.

--------------------------------------------------------------------------------

( 125 )

بيدي هاتين عن الحوض أعداءنا ، ولأوردنَّ أحبَّاءنا » (1) .
6 ـ ( وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلأة ) (2) :
خصَّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره بساعة من السحر ، يأتيه فيها كلَّ ليلة ، يطرق الباب ـ وذلك عند نزول الآية ـ ويقول : « الصلاة ، رحمكم الله ، إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً » (3) .
7 ـ علي عليه السلام يبلِّغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمرٍ من السماء :
لمَّا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بتبليغ سورة براءة أميراً على الحج.. بعث خلفه عليَّاً عليه السلام ليأخذها منه! فيعود أبو بكر ويسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أحدث فيَّ شيء ، يا رسول الله ؟ فيقول صلى الله عليه وآله وسلم : « لا ، ولكنِّي أُمرت الا يبلِّغ عنِّي الا أنا أو رجل منِّي » (4) .
8 ـ كرَّار وليس بفرَّار :
تقدّمت قصة خيبر ، ورجوع صاحب الراية الأول ، ثم الثاني يجبّن أصحابه ويجبّنونه.
وإذا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم ـ والرواية عن عليٍّ عليه السلام ـ ويقول : « والذي نفسي بيده ، لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ، ويحبُّه الله ورسوله ، كراراً ليس بفرَّار ، يفتح الله على يديه ، فأرسل إليَّ وأنا أرمد؛ فتفل في عينيَّ
____________
1) مناقب ابن شهرآشوب 2 : 162.
2) سورة طه : 132.
3) تفسير القرطبي 11 : 174 ، تفسير الرازي 22 : 137 ، روح المعاني 16 : 248 ، وانظر الخصائص بتخريج الأثري ح|112 ، 113 ، وخرَّجه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة من وجوه.
4) مسند أحمد 1 : 3 ، 331 و3 : 212 ، 238 و4 : 164 ، 165 ، البداية والنهاية 7 : 398.

--------------------------------------------------------------------------------

( 126 )

وقال : اللَّهمَّ اكفه أذى الحرّ والبرد ، فما وجدتُ حرَّاً بعدُ ولا برداً » (1) .
هذه بعض الخصائص التي ذكرها أهل المناقب والسير ، في حقِّ أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ووصيِّه ، ووزيره ، وأمينه ، وخليفته من بعده على أُمَّته فلولاه « لم تثبت الملَّة ، ولا استقرت الشريعة ، ولا ظهرت الدعوة ،فهو عليه السلام ناصر الإسلام ووزير الداعي إليه ، من قبل الله عزَّ وجلَّ ، وبضمانه لنبيِّ الهدى عليه السلام النصرة ، تمَّ له في النبوَّة ما أراد ، وفي ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلاً ، ولا تعادله الفضائل كلُّها محلاً وقدراً » (2) .
المحور الثاني : النصوص الدالَّة على إمامته عليه السلام :
قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون ) (3) .
قال المفسِّرون : إنَّ معناها لنجعلنَّ من أُمِّتك أئمةً يهدون مثل تلك الهداية ، لما صبروا عليه من نصرة الدين وثبتوا عليه من اليقين (4) . فهذه الآية الكريمة ـ وغيرها من الآيات ـ (5) تفيد وجوب الإمام في كلِّ زمان ،
____________
1) خصائص النسائي : 39|14 و159|151 ، تاريخ ابن عساكر ـ ترجمة الامام علي عليه السلام ، مجمع الزوائد 9 : 122 ، إعلام الورى 1 : 364 ، سنن ابن ماجة 1 : 43 ، مسند أحمد 1 : 99 و133 ، مستدرك الحاكم 3 : 37 ، وانظر فرائد السمطين 1 : 253|196 و261|201.
2) إرشاد المفيد 1 : 50 ـ 51.
3) سورة السجدة : 24.
4) الكشَّاف 3 : 516 ، روح المعاني 21 : 138 ، تفسير الرازي 25 : 186 ، تفسير النسفي 3 : 45 ، تفسير أبي السعود 7 : 87.
5) مثل : سورة المائدة : 55 ـ 56 ، سورة النساء : 71.
--------------------------------------------------------------------------------

( 127 )


رد مع اقتباس
 
قديم 05-05-2007, 11:59 AM   رقم المشاركة : 32

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

( 127 )

ولمَّا كان الإمام موجوداً بأمر من الله عزَّ وجلَّ فوجب علينا حقُّ طاعته ونصرته ، كما قال تعالى : ( يَاأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاَمْرِ مِنْكُم ) (1) .
وكذا السُنَّة المطهَّرة فرضت علينا معرفة الإمام والاقتداء به ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من مات وليس عليه إمام فإنَّ موتته موتة جاهلية » (2) ، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام بوجوب طاعة الإمام وموالاته : « من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية » (3) .
إذن فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك أُمَّته دون إمام يقود زمامها من بعده ، وذلك بأمرٍ من السماء ، إذ قال عزَّ من قائل : ( وَإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه ) فما هو جواب الرسول الذي سيملأ هذا الفراغ ؟ سيتَّضح ذلك من خلال الأسطر التالية التي تكشف عن حقيقة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمارس إعداد الخليفة من بعده عملياً ونظرياً :
1 ـ اسمعوا لعليٍّ وأطيعوا :
لمَّا نزل قوله تعالى : ( وَأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِين ) رفع شأن عليٍّ عليه السلام على آله وعشيرته أجمعين ، وخصَّه بمنزلة لا يشركه فيها أحد ، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام بشأنه يوم الانذار : « إنَّ هذا أخي ، ووصيي ،
____________
1) النساء : 59.
2) ورد هذا الحديث بعدَّة صيغ ، انظر : مسند أحمد 4 : 96 ، كنز العمَّال 1 : 103|464 ، المستدرك على الصحيحين 1 : 117 ، مجمع الزوائد 5 : 218 ، 224 ، الدرُّ المنثور 2 : 286 ـ عند الآية (103) من سورة آل عمران ، ينابيع المودَّة : 117.
3) صحيح مسلم ـ كتاب الإمارة 3 : 1478|58 ـ (1851) ، جامع الأصول 4 : 463|2065.
--------------------------------------------------------------------------------

( 128 )

وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا » (1) .
2 ـ وأولى بالناس من أنفسهم :
بشأنه عليه السلام نزل قول الله عزَّ وعلا : ( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلأةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون ) (2) حينما تصدَّق بخاتمه حال الصلاة (3) .
وأثبت الآلوسي في تفسيره ، من شعر حسَّان بن ثابت في هذه الحادثة ، قال : فأنشد حسَّان :


أبا حســنٍ تفديك نفسي ومهجتـي * وكلُّ بطـيءٍ في الهدى ومسارعِ
فأنت الذي أعطيـتَ إذ كنت راكعـاً * زكاةً ، فدتك النفس يا خير راكعِ
فأنــزلَ فيـك اللهُ خيـرَ ولايــةٍ * وبيَّنهــا في محكمـاتِ الشرائعِ

وإذ كان أمير المؤمنين عليه السلام ـ بحكم القرآن ـ أولى بالناس من أنفسهم ، لكونه وليَّهم بالنصِّ في التبيان ، وجبت طاعته على كافتهم بجليِّ البيان ، كما وجبت طاعة الله وطاعة رسوله عليه وآله السلام ، بما تضمَّنه الخبر عن
____________
1) أنظر تاريخ الطبري 2 : 321 ، الكامل في التاريخ 1 : 587 ، السيرة الحلبية 1 : 461 ، شرح نهج البلاغة 13 : 211 ، 244 ، تفسير البغوي 4 : 278 ، تفسير الخازن 3 : 371 ـ 372.
2) سورة المائدة : 55.
3) انظر قصة تصدُّقه بالخاتم في تفسير الطبري 6 : 186 ، أسباب النزول للواحدي : 114 ، تفسير الرازي 12 : 26 ، تفسير أبي السعود 2 : 52 ـ دار إحياء التراث العربي ، تفسير النسفي 1 : 420 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ، تفسير البيضاوي 1 : 272 ـ دار الكتب العلمية ، ط1 ـ 1408هـ ، معالم التنزيل للبغوي 2 : 272 ، لباب النقول في أسباب النزول | السيوطي : 93 ـ دار إحياء العلوم ـ بيروت ، ط3 ـ 1406هـ ، فتح القدير | الشوكاني 2 : 53 ـ دار إحياء التراث العربي ، روح المعاني | الآلوسي 6 : 167 ـ 169 دار إحياء التراث العربي 1405هـ ، فضائل الصحابة 2 : 678|1158 ، جامع الأصول 9 : 478|6503 ، الكشَّاف | الزمخشري 1 : 649 ، ط1.

--------------------------------------------------------------------------------

( 129 )

ولايتهما للخلق في هذه الآية بواضح البرهان (1) .
3 ـ إنَّ عليَّاً مولى المؤمنين :
قُمَّت شجيرات الغدير ، وتجمَّع الحشد الهائل من حجَّاج بيت الله الحرام ، وإذا بالصمت يخطف الوجوه ، فماذا عسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ في حرِّ الرمضاء وساعة الظهيرة ؟
وإذا بجبرئيل الأمين يكفي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بما فيه إكمال الدين وإتمام النعمة على المسلمين ، بقوله تعالى : ( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس ) (2) .
ثمَّ فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولاية عليٍّ عليه السلام على الشاهد والغائب؛ فقال : « من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، اللَّهمَّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، واخذل من خذله ، وانصر من نصره » ، وبعد فرض الولاية نزل قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِِسْلأمَ دِيناً ) (3) .
فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحمدالله على إكمال الدين ورضا الربِّ برسالته وولاية عليٍّ عليه السلام من بعده ، فأصبح عليُّ بن أبي طالب عليه السلام مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة.
____________
1) إرشاد المفيد 1 : 7.
2) سورة المائدة : 67.
3) سورة المائدة : 3.

--------------------------------------------------------------------------------

( 130 )

وحديث الغدير هذا حديث صحيح (1) ، قد بلَّغ حدَّ التواتر عند جميع المسلمين (2) كما مرَّ بنا سابقاً.
4 ـ الوزارة والخلافة :
في نصّ حديث المنزلة يتفرّد عليّ بمنزلة لا يشاركه في مثلها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يا عليُّ : « أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى ، الا أنَّه لا نبيَّ بعدي » استثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النبوَّة ، وأوجب له ما دون ذلك من الخصائص ، فهو الوزير بعده والخليفة على أُمَّته.
وحديث المنزلة هذا حديث متواتر لا خلاف فيه (3) .
وأنَّ القول بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ ما خصّه الاستثناء المنطوق به في الخبر من النبوة. وإن من منازل هارون من موسى عليهما السلام هي : الشركة في النبوَّة ، والأخوة ، والتقدُّم عنده في الفضل والمحبَّة والاختصاص على جميع قومه ، والخلافة له في حال غيبته على أُمَّته ، وغيرها من المنازل ، فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استثنى ما لم يرده من المنازل
____________
1) أنظر : مسند أحمد 4 : 281 ، 368 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 111 ـ 112 ، السيرة الحلبية 3 : 336 ، مستدرك الحاكم 3 : 148 ، سنن الترمذي 5 : 663|3788 ، صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة 4 : 1873 |2408 من عدَّة طرق ، تهذيب الكمال 13 : 302 ، فتح القدير 2 : 60 ، الدرُّ المنثور 3 : 117 ، أسباب النزول : 115 ، تفسير المنار|محمد رشيد رضا 6 : 463 ، تفسير الرازي 12 : 49 ـ 50 ، الرياض النضرة 3 : 127 ، مناقب أمير المؤمنين | الحافظ محمد بن سليمان الكوفي القاضي 1 : 119.
2) أنظر : البداية والنهاية 5 : 233.
3) تقدَّمت مصادر هذا الحديث سابقاً ، وانظر : مصنف ابن أبي شيبة ـ فضائل عليٍّ 7 : 496 |11 ـ 15 ، السيرة النبوية لابن حبَّان : 149.

--------------------------------------------------------------------------------

( 131 )

بعده بقوله : « إلا أنَّه لا نبيَّ بعدي » فدلَّ هذا الاستثناء على أنَّ ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السلام بعده ، وإذا كان من جملة المنازل الخلافة في الحياة ، وثبتت بعده ، فقد تبيَّن صحَّة النصِّ عليه بالإمامة (1) .
5 ـ لن يخرجكم من هدى ولن يُدخلكم في ضلالة :
وذلك من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأُمَّته : « من أحبَّ أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنَّة عدنٍ غرسها ربِّي ، فليتولَّ عليَّ بن أبي طالب ، فإنَّه لن يُخرجكم من هدى ، ولن يُدخلكم في ضلالة » (2) .
وفي هذا دلالة واضحة على فرض ولاية الإمام عليٍّ عليه السلام ، كما يصرِّح مرَّة أُخرى عليه أفضل السلام بقوله : « يا عليُّ ، أنت تبيِّن لأُمَّتي ما اختلفوا فيه من بعدي » (3) .
6 ـ لا ، لكنَّه علي! :
عليٌّ عليه السلام هو الذي قال عنه رسول الله : « إنَّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله » فتطاولت لذلك الأعناق كلٌّ يقول : أنا هو! وفيهم أبو بكر وعمر ، فيقول عليه الصلاة والسلام : « لا ، لا ، لكنَّه عليٌّ » (4).
____________
1) إعلام الورى 1 : 331 ـ 332 بتصرُّف.
2) المستدرك : 2 : 128 ، لسان الميزان 2 : 34 ، مجمع الزوائد 9 : 108 كنز العمَّال. 11 : 611|32960.
3) المستدرك 3 : 122 ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، حلية الأولياء 1 : 64 ، تاريخ ابن عساكر ـ ترجمة الإمام علي 2 : 486|1014 ـ 1018 ، مناقب الخوارزمي : 236 ، كنز العمَّال 11|32983.
4) أنظر : مسند أحمد 3 : 82 ، البداية والنهاية 7 : 398.
--------------------------------------------------------------------------------

( 132 )

7 ـ كلُّهم من قريش :
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يمارس تعيين الخلفاء من بعده؛ فصرَّح بأنَّهم « اثنا عشر خليفة » لكن خصَّص المنبع الأصيل لهذه الخلافة « كلُّهم من قريش »!
وهذا حديث متواتر أيضاً رواه أصحاب الصحاح والسنن وغيرهم (1) ».
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم بشأن عليٍّ عليه السلام : « إنَّه منِّي وأنا منه ، وهو وليُّكم بعدي... إنَّه منِّي وأنا منه وهو وليُّكم بعدي » يكرِّرها (2) ، يحدّد أنه هو أول الخلفاء الأثني عشر القرشيين.
8 ـ قاتل الفَجَرة :
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « عليٌّ أمير البررة ، قاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله » (3).
9 ـ حقُّه لازم لنا ، وفضله مبرَّز :
من رسالة معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر ، وهي الرسالة التي أشار إليها الطبري ، ثُمَّ قال : كرهت ذكرها لأمور لا تحتملها العامَّة!
____________
1) أنظر : صحيح البخاري ـ الأحكام ـ باب 51 ح|6796 ، صحيح مسلم ـ الإمارة ح|1821 ـ 1822 ، مسند أحمد 1 : 398 ، 406 ، سنن أبي داود ح|4280 ، سنن الترمذي ـ كتاب الفتن : 4|2223 ، مصابيح السُنَّة 4 : ح|4680.
2) مسند أحمد 5 : 356 ، خصائص النسائي : ح|87 ، ومثله انظر : المستدرك 3 : 134 ، سنن الترمذي 5 : ح|3712 ، المصنَّف ابن أبي شيبة : ح7 ـ فضائل علي ح|58 ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبَّان 9 : 41 ح|6890.
3) تفسير الرازي 12 : 76 ، كنز العمال 11|32909 ، فضائل الصحابة 2 : 678|1158.

--------------------------------------------------------------------------------

( 133 )

قال فيها معاوية مخاطباً محمَّد بن أبي بكر : « قد كنَّا وأبوك معنا في حياة نبيِّنا نرى حقَّ ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا » (1) .
ومن قول محمَّد بن أبي بكر في رسالته إلى معاوية ، يصف فيها عليَّاً عليه السلام : « وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيُّه ، وأبو ولده ، أوَّل الناس له اتِّباعاً ، وأقربهم به عهداً ، يخبره بسرِّه ويطلعه على أمره » (2) .
10 ـ لن تضلّوا بعده :
إضافة إلى هذا الاجراء النظري الصريح بخلافة عليٍّ عليه السلام وولايته ، أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينفِّذ إجراءً عملياً بحقِّه عليه السلام مرّة بعد أخرى قبيل رحيله.. ففي الأولى أمر بدواة وكتف ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده ، لكنَّها كانت الرزية التي أبكت ابن عبَّاس ، حتى بلَّ دمعه الحصى!
قد حالوا دون كتابة الكتاب الذي سيكون آخر شهادة حقٍّ ناطقة بولاية عليٍّ عليه السلام وإذا بقول أحدهم : « حسبنا كتاب الله » لكنّ كتاب الله يقول : ( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ الله ) (3) ! ومن عصى الرسول فقد عصى الله..
وفي الثانية عزم صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلي المدينة المنورة ممّن يعلم منهم الخلاف على علي عليه السلام والمنازعة في الخلافة ، فعقد الراية لأسامة وأمرهم بالانقياد
____________
1) انظر اشارة الطبري : تاريخ الطبري 4 : 557 ـ أحداث سنة 36 ، ونص رسالته في مروج الذهب للمسعودي 3 : 21 ، تحقيق عبدالأمير مهنا ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ، 1991م ، وشرح نهج البلاغة 3 : 188.
2) مروج الذهب 3 : 21 ، شرح نهج البلاغة 3 : 188.
3) سورة النساء : 4 / 80 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 134 )

له والامتثال لأمره ، ليبلغ أمته بابلغ خطاب ان هؤلاء إنما هم جنود لهذا القائد الشاب ابن السابعة عشرة فلا ينازعوا غداً على زعامة الأمة وإمامة المسلمين! لكنّهم تخلّفوا عنها أيضاً بعذر أو بآخر ، رغم ردّه كل تلك الأعذار ، وتأكيده البليغ « انفذوا بعثة اسامة » « لعن الله من تخلف عنها »!!


رد مع اقتباس
 
قديم 05-12-2007, 11:19 AM   رقم المشاركة : 33

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 


الفصل الأول : قصة السقيفة

أعقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمور خطيرة ، جرَّت وراءها فتناً عديدة غيَّرت مسار الإسلام الذي أراده الله تعالى وأراده رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام. تمخَّضت هذه الأحداث عن تعيين الناس الخليفة ، وجثمان النبيِّ العظيم لم يوارَ في التراب بعد ، والإمام عليٌّ عليه السلام وبنو هاشم ـ وجمع من المهاجرين والأنصار ـ منهمكون بجثمان النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم حافِّين به يودِّعونه في آخر ساعات وجوده على أرض المعمورة. لقد انقطع الوحي ، ورحل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وينتظرُ أمته من بعده أمرٌ خطير..
في هذه اللحظات المؤلمة الشديدة ، وبعد ساعة من انقطاع الوحي ، استغلَّ عمر بن الخطَّاب فرصة الخلاف بين الأوس والخزرج ونبأ اجتماعهم في سقيفة بني ساعدة ، يتداولون فيها أمر الخلافة بعد رسول الله ، خوفاً على مستقبل الأنصار ، فيما لو كانت الخلافة بيد قريش! فأخذ عمر بن الخطَّاب بيد أبي بكر وانخرطا من بين الجموع الحاشدة بجثمان النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فيصحبهما أبو عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة ، ليتمَّ تنفيذ « البيعة الفلتة »! لخليفة رسول الله على أُمَّته.
على أي حال انضم الثلاثة إلى تجمُّع الأنصار ، وبعد أن دار جدل عنيف ، غلبهم المهاجرون؛ لأنَّهم « أوَّل من عبد الله في الأرض ، وآمن بالله وبالرسول ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحقُّ الناس بهذا الأمر بعده ، ولاينازعهم ذلك الا ظالم.. وأنتم يا معشر الأنصار لا يُنكر فضلكم في


--------------------------------------------------------------------------------

( 136 )

الدين ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام ، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله.. فنحن الأمراء وأنتم الوزراء »! على حدِّ تعبير أبي بكر (1) .
ولمَّا عارض أحد الأنصار بذكر فضائلهم ونصرتهم للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعدم تسليم الأمر للمهاجرين ، ردَّ عليه عمر بقوله : « هيهات لا يجتمع سيفان في غمد ، والله لا ترضى العرب أن تؤمِّركم والنبيُّ من غيركم ، ولا تمتنع العرب أن تولِّي أمرها من كانت النبوَّة فيهم ، ولنا بذلك الحجَّة الظاهرة ، من نازعنا سلطان محمَّد ونحن أولياؤه وعشيرته الا مدلٍ بباطلٍ ، أو متجانفٍ لإثمٍ ، أو متورِّطٍ في هلكة »!!
هذه حجَّتهم الظاهرة : قوم محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ، أولياؤه وعشيرته لا ينازعهم على سلطان محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم الا ظالم ، متجاهلين عليَّ بن أبي طالب عليه السلام الذي بايعوه وبايعه مئة ألف أو يزيدون في غدير خمٍّ ، وبعد فهو أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العلم والزهد وسائر الصفات المستلزمة للإمامة والولاية العامة وأخصُّهم به ، وهو ابن عمِّه الذي نشأ في بيته ، كما نشأ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أبيه أبي طالب!
فقال بشير بن سعد ـ أحد زعماء الأنصار ـ : « يا معشر الأنصار ، إنَّا والله وإن كنَّا أولي فضيلة وسابقة في الدين ، الا أنَّ محمَّداً من قريش وقومه أولى به ، وأيمُ الله لا يراني الله أُنازعهم هذا الأمر أبداً ».
فقال أبو بكر : هذا عمر ، وهذا أبو عبيدة ، فأيُّهما شئتم فبايعوا.. فأدار عمر ظهره لأبي بكر ، وقال لأبي عبيدة : ابسط يدك أُبايعك ، فأنت أمين
____________
1) الإمامة والسياسة| ابن قتيبة 1 : 14 ـ 15 ، مكتبة ومطبعة مصطفى بابي الحلبي ـ مصر 1969م.

--------------------------------------------------------------------------------

( 137 )

هذه الأُمَّة!! ولمَّا امتنع أبو عبيدة ، أدار عمر إلى أبي بكر ، فبسط يده وصفق عليها ليكون خليفة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبويع أبو بكر ، بايعه أبو عبيدة وبشير بن سعد الخزرجي ، ثُمَّ بايعه الأوس. وتمَّت مسرحية « السقيفة » وقد مثَّل دور البطولة فيها أبو بكر وعمر!
وما أن انتصف نهار اليوم حتى تمَّت بيعة أبي بكر بهذا النحو ، الذي كان مفاجأة لأكثر الناس ، وأخذوا يزفُّون عبدالله بن عُثمان التيمي ـ أبو بكر بن أبي قحافة ـ إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون بيعته على نطاق أوسع!
تسرَّب نبأ السقيفة والبيعة في أرجاء المدينة المنوَّرة ، على ساكنها السلام ، كلُّهم علموا بخبر البيعة ، الا عليٌّ وبنو هاشم ومن معهم ، حيث كانوا مع مصيبة وداع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !
فانطلق البراء بن عازب وجاء يضرب باب بني هاشم قائلاً : يا معشر بني هاشم ، قد بويع أبو بكر!
سادت لحظة هدوء ، متسائلين : ما كان المسلمون يُحدثون حدثاً نغيب عنه ، ونحن أولى بمحمَّد ، لكنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب لم يستغرب هذا الفعل منهم ، فقال : فعلوها وربِّ الكعبة!!
ولمَّا كان اليوم الثاني ، وبعد أن واروا جثمان النبي الطاهر ، انحاز مع عليِّ بن أبي طالب عليه السلام بنو هاشم جميعاً ، ومعهم طائفة من المهاجرين والأنصار ، اعتقاداً منهم بحقِّ عليٍّ في الخلافة (1) .
____________
1) صحيح مسلم ـ الجهاد والسير 3 : 1380|52 ، صحيح البخاري ـ باب غزوة خيبر 5 : 288|456 ، الكامل في التاريخ 2 : 231.

--------------------------------------------------------------------------------

( 138 )

فقال الأنصار : لا نبايع الا عليَّاً ، وقال الزبير : لا أغمد سيفاً حتى يُبايع علي ، وانظم وانحاز في بيت عليٍّ وفاطمة عليهما السلام : المقداد بن عمرو ، وخالد بن سعيد ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذرٍّ الغفاري ، وعمَّار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأُبي بن كعب ، وحذيفة بن اليمان ، وابن التيهان ، وعبادة بن الصامت (1) ، كلُّهم يرفضون البيعة لابن أبي قحافة ، للسبب الآنف ذكره..
إضافةً إلى ذلك فقد اعتصم جماعة من الأنصار في أحيائهم ، فجاء عبدالرحمن بن عوف يعاتبهم على تخلُّفهم عن بيعة الخليفة ، ويذكر لهم حقَّه بقرابته من رسول الله ، وما شابه ذلك من الحجج التي يتشبَّثون بها ، من أجل إثبات حق أبي بكر بالخلافة ، وأنَّه أولى بها من غيره ، فردَّ عليه جماعة الأنصار : « إنَّ ممَّن سمَّيت من قريش ، مَنْ إذا طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد : عليُّ بن أبي طالب »!
هذا أحد المواقف ضد الاتجاه الذي نال خلافة رسول الله بالغلبة! وموقف آخر يمكن أن نقتبس منه بعض الأقوال ، كقول الفضل بن عبَّاس ، الذي قام خطيباً وأجاد حيث قال : « يا معشر قريش : إنَّه ما حقَّت لكم الخلافة بالتمويه! ونحن أهلها دونكم وصاحبنا أولى بها منكم » (2) ، ويقصد بصاحبنا عليَّ بن أبي طالب عليه السلام.
وأنشد عتبة بن أبي لهب ، معرباً عن أولوية علي عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
____________
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 124 ، تاريخ أبي الفداء 2 : 63 ، ابن أبي الحديد 2 : 49 ، 56 و6 : 11 ، وزاد في 1 : 220 حذيفة وابن التيهان وعبادة بن الصامت ، وتاريخ الطبري 3 : 198 ، الكامل في التاريخ 2 : 189 ، 194 ، تاريخ الخلفاء : 51 ولم يذكروا الأسماء.
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 124.

--------------------------------------------------------------------------------

( 139 )

وبأمر الخلافة؛ إذ يقول :


ما كنتُ أحسبُ أنَّ الأمرَ منصرفٌ * عن هاشـمٍ ثُمَّ منها عن أبي الحسنِ
عن أوَّل الناس إيمانـاً وسابقــةً * وأعلــم الناس بالقرآن والسننِ (1)

وكان المهاجرون والأنصار لا يشكُّون في عليٍّ عليه السلام (2) .
وما كان من أبي بكر الا أن ينتظر عليَّاً عليه السلام وأصحابه أن يبايعوه! ولمَّا تأخَّرت بيعتهم أرسل عمر بن الخطَّاب إلى بيت عليٍّ عليه السلام ، فنادى عليَّاً وأصحابه وهم في الدار فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب ليحرق البيت ومن فيه ، فقيل له : إنَّ فيه فاطمة!
قال : وإن (3) !!
لكنَّهم اقتحموا بيت عليٍّ عليه السلام.. وقد ثبت عن أبي بكر قوله ، حين حضرته الوفاة : « وددت أنِّي لم أكشف عن بيت فاطمة ، وتركته ولو أُغلق على حرب » (4).
أتى قنفذ ـ رسول الخليفة الجديد ـ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام فقال : يدعوك خليفة رسول الله. فقال عليه السلام : « لسريع ما كذَّبتم على رسول الله »!
فرجع فأبلغ أبا بكر قوله ، فبكى أبو بكر طويلاً! فبعثه مرَّةً أُخرى بتحريض من عمر ، فقال : خليفة رسول الله يدعوك لتبايع ، فقال عليه السلام
____________
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 124.
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 124 ، شرح نهج البلاغة 6 : 21 وغيرها.
3) أنظر قصَّة هذا الحدث في : الإمامة والسياسة 1 : 12 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 ، 6 : 58 ، 20 : 147 ، تاريخ أبي الفداء 2 : 64 ، العقد الفريد 5 : 12.
4) الإمامة والسياسة 1 : 24 ، تاريخ الطبري 3 : 430.
--------------------------------------------------------------------------------

( 140 )

بصوت مرتفع : « سبحان الله! لقد ادَّعى ما ليس له ». فرجع قنفذ وأبلغه كلام عليٍّ فبكى أبو بكر طويلاً..
أمَّا عمر فتعجَّل الأمر ، وأتى بيت عليٍّ مع جماعة وطرقه بشدَّة ، فلمَّا سمعت فاطمة أصواتهم نادت : « يا أبتِ يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطَّاب وابن أبي قحافة » ؟!
فانصرف القوم باكين لبكائها ومناجاتها أباها ، الا عمر لم يتصدَّع قلبه لبكاء ابنة رسول الله وبضعته ، فبقي معه جماعة ، حتى أخرجوا عليَّاً عليه السلام فمضوا به إلى أبي بكر ، وعرضوا عليه البيعة فأجابهم بكلِّ ثبات وعزيمة : « أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم ، لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ».
فقالوا : نضرب عنقك!!
فقال عليه السلام : « إذن تقتلون عبدالله وأخا رسوله »!
فقال عمر : أمَّا عبدالله فنعم ، وأمَّا أخو رسوله فلا!
وأبو بكر ساكت! ثُمَّ قال عمر لأبي بكر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟!
فأجابه الخليفة : لا أُكرهه على شيء مادامت فاطمة إلى جنبه!
فلحق عليٌّ عليه السلام بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يصيح ويبكي وينادي : « يا ابن أمِّ إنَّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » (1) .
وهكذا وقع سريعاً تأويل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام :
____________
1) أنظر : شرح النهج 2 : 56 ، 6 : 11 ، الإمامة والسياسة : 12 ـ 13 ، تاريخ اليعقوبي ـ مختصراً ـ 2 : 126 ، الفتوح ابن أعثم 1 : 13 ، دار الكتب العلمية ، ط1 ـ 1406هـ.

--------------------------------------------------------------------------------

( 141 )

قال الإمام علي عليه السلام : « إنَّ ممَّا عهد إليَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الأُمَّة ستغدر بي بعده » (1).
وفي رواية أُخرى قال عليه السلام : « بينما كنَّا نمشي أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخذ بيدي.. فلمَّا خلا له الطريق اعتنقني ثُمَّ أجهش باكياً ، قلت : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟
قال : ضغائن في صدور أقوام ، لا يبدونها لك الا من بعدي » (2) .
موقف فاطمة عليها السلام من البيعة :
لقد كان موقف عمر وأبي بكر من بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منتهى الجفاء والتحدِّي ، متجاهلين مقامها الرفيع الشأن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاسيَّما وأنَّهما قد سمعا قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّ الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ ».
ثمَّ جاء عمر وأبو بكر إليها يلتمسان رضاها فقالت لهما : « نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبَّ فاطمة ابنتي فقد أحبَّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني! ؟ » فقالا : نعم ، سمعناه من رسول الله.
فقالت : « فإنِّي أُشهد الله وملائكته أنَّكما أسخطتماني ، وما أرضيتماني ،
____________
1) المستدرك 3 : 140 ، ابن عساكر 3 : 148|1164 ـ 1168 ، تذكرة الحفَّاظ 3 : 995 ، ابن أبي الحديد 6 : 45 ، كنز العمَّال 11|32997 ، الخصائص الكبرى 2 : 235.
2) مستدرك الحاكم 3|139 ، ابن أبي الحديد 4 : 107 ، مجمع الزوائد 9 : 118 ، كنز العمَّال. 17613|46533.

--------------------------------------------------------------------------------

( 142 )

ولئن لقيتُ النبيَّ لأشكونَّكما إليه » (1) . فمازالت غضبى عليهما حتى توفِّيت (2).
وعن ابن قتيبة قال : وخرج عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على دابَّة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة. فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أنَّ زوجك وابن عمِّك سبق إليها قبل أبي بكر ما عدلنا به.
فيقول عليٌّ كرَّم الله وجهه : « أفكنت أدعُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم أدفنه ، وأخرج أُنازع الناس سلطانه » ؟!
فقالت فاطمة : « ما صنع أبو الحسن الا ما كان ينبغي له ، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم » (3) .
أمَّا عليٌّ عليه السلام ، فقد خاصمهم بقوله : « الله الله يا معشر المهاجرين ، لاتُخرجوا سلطان محمَّد عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولاتدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقِّه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحنُ أحقُّ الناس به ، لأنَّا أهل البيت ، ونحنُ أحقُّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا : القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعيَّة ، القاسم بينهم بالسويَّة ، ووالله إنَّه لفينا ، فلا تتَّبعوا الهوى فتضلُّوا عن سبيل الله ، فتزدادوا من الحقِّ بعداً ».
فلمَّا سمعوا منه هذا الكلام قال بشير بن سعد الأنصاري ـ الذي أقرَّ
____________
1) الإمامة والسياسة : 13.
2) صحيح البخاري 5 : 288|256 ، صحيح مسلم 3 : 138|52.
3) الإمامة والسياسة 1 : 12 وكذا شرح النهج 2 : 47.
--------------------------------------------------------------------------------

( 143 )

بنود السقيفة ـ : لو كان هذا الكلام سِمِعتْه الأنصارُ منك قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان (1) .
وأنشد عليه السلام معرِّضاً بأبي بكر :


فإن كنتَ بالشورى ملكتَ أمورَهـم * فكيـف بهـذا والمشيــرون غُيَّبُ
وإن كنتَ بالقُربى حججتَ خصيمهم * فغيــرُك أولـى بالنبيِّ وأقربُ (2)

وله عليه السلام كلام واسع وخطب عدَّة يصف فيها أمر الخلافة والتفضيل ، محفوظ في كتاب نهج البلاغة ، وقد اقتطفنا من احدى خطبه المعروفة بالشقشقية مقاطع منها :
« أما والله لقد تقمَّصها فلان ، وانَّه ليعلم أنَّ محلِّي منها محلَّ القطب من الرَّحَا ، ينحدر عنِّي السيل ، ولا يرقى إليَّ الطير »...
« فيا عجباً ، بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته!! لشدَّ ما تشطَّرا ضرعيها.. فصبرتُ على طول المدَّة وشدَّة المحنة.. حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنِّي أحدُهم! فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت أُقرن إلى هذه النظائر! » (3) .
ولمَّا بلغه عليه السلام احتجاج قريش بأنَّهم قوم النبيِّ وأولى الناس به ، قال : « احتجَّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة » (4) .
____________
1) الإمامة والسياسة : 12.
2) نهج البلاغة : 503|190.
3) نهج البلاغة ، الخطبة الثالثة بتصرف.
4) نهج البلاغة : الخطبة 67 ، وانظر : الإمامة والسياسة : 11.


رد مع اقتباس
 
قديم 05-27-2007, 01:10 PM   رقم المشاركة : 34

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 


الفصل الثاني : عليٌّ مع أبي بكر وعمر وعُثمان

بيعته لأبي بكر :
رأينا فيما سبق كيف وقف أمير المؤمنين عليه السلام من أحداث السقيفة ، خلال الأشهر الأولى من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع جماعة من المهاجرين والأنصار ، موقفاً يتَّسم بالشدَّة والصلابة ، محتجَّاً عليهم بالمنطق الذي احتجوا فيه على الأنصار يوم السقيفة ، إضافةً إلى أنَّه عليه السلام قد ذكَّرهم بالنصوص التي صرَّح بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحقِّه ، والتي لا يجهلها أحد منهم ، واستطاع عليه السلام بتلك المواقف الحكيمة أن يستميل إلى جانبه عدداً من المسلمين.
ولكن ظهرت في هذه الفترة بوادر ارتداد بعض الأعراب ، قال : « فأمسكتُ يدي ، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله ، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنَّما هي متاعُ أيَّامٍ قلائل... » (1) .
لله وللإسلام سكت وصبر على كلَّ ما سلف من هؤلاء الذين تآمروا عليه ، وأساءوا إلى بضعة رسول الله زوجته ، وقنع من الدنيا أن يجمع القرآن ويحفظه ، ويشتغل بتفقيه الناس والقضاء بينهم..
وبعد أن بويع لأبي بكر بالخلافة تميَّز في مجتمع المدينة ومكَّة ، عن سائر الناس ، فريقان :
____________
1) نهج البلاغة ، الكتاب 62.

--------------------------------------------------------------------------------

( 145 )

الفريق الأول : فريق أظهر كلَّ ما كان يخفيه من نفاق وسعى إلى إثارة الفتنة ، يقابله فريق آخر لم يظهر الحقَّ بكلِّ ما يملك من قدرة..
فأمَّا الفريق الأول فهم الكائدون للإسلام ، أولهم وعلى رأسهم أبو سفيان الذي قدم على أمير المؤمنين عليه السلام يحرِّضه من مناجزة القوم الذين كانوا مع أبي بكر ، فيقول له : والله لئن شئت لأملأنَّها عليه خيلاً ورَجِلاً. فردَّه عليه السلام : « والله إنَّك ما أردت بهذه الا الفتنة ، وإنَّك والله طالما بغيت للإسلام شرَّاً ، لا حاجة لنا في نصيحتك » (1) .
ومن هذا القسم أيضاً مسلمو الفتح : ـ الطلقاء ، والمؤلَّفة قلوبهم ـ وكان في طليعتهم : سهيل بن عمرو ، والحارث بن هشام ، وعكرمة بن أبي جهل ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط ، سعوا في الفتنة أيضاً ، يحرِّضون قريشاً على الأنصار لهتافهم باسم عليٍّ ، يريدون إلزامهم بتجديد البيعة والا فليقتلوهم!
وظهر أبو سفيان مرَّة أُخرى قائلاً : يا معشر قريش ، إنَّه ليس للأنصار أن يتفضَّلوا على الناس ، حتى يُقرُّوا بفضلنا عليهم.. وأيم الله لئن بطروا المعيشة ، وكفروا النعمة ، لنضربنّهم على الإسلام كما ضربونا عليه!
ولم يذكر لنا التاريخ في هذه الحوادث موقفاً إيجابياً واحداً لأبي بكر أو عمر لردع الفتن!
هؤلاء هم الذين طالما كادوا للإسلام بسيوفهم عشرين عاماً أو تزيد فدخلوا الإسلام عنوةً ، فلمَّا لم يجدوا بدَّاً من الكيد بأيديهم كادوه بألسنتهم.
____________
1) تاريخ الطبري 3 : 209 ، الكامل في التاريخ 2 : 189.
--------------------------------------------------------------------------------

( 146 )

وما أجمل قول حسَّان بن ثابت :


تنـادى سهيلٌ ، وابن حربٍ وحارثٌ * وعكـرمـة الشاني لنا ابنُ أبي جهلِ

أولئك رهـطٌ من قريـشٍ تبايعــوا * على خطَّةٍ ليست من الخططِ الفضـلِ

وكلُّهم ثــانٍ عـن الحـقِّ عطفــه * يقول اقتلوا الأنصار ، يا بئس من فعلِ

وأعجب منهـم ، قابلــوا ذاك منهـم * كأنَّـا اشتملنا من قريش على ذحلِ (1)

أمَّا الفريق الآخر فهم المناصرون لعليٍّ عليه السلام ، الداعون إلى حقِّه بالإمامة ، ويلحق بهذه الطائفة المهاجرون والأنصار الذين مالوا عن مبايعة أبي بكر ، حيث كانوا لا يشكُّون أنَّ الأمر صائر إلى عليٍّ عليه السلام ، وكان شعارهم الذي رفعوه بأصواتهم : « لا نبايع الا عليَّاً » ومنهم : عتبة بن أبي لهب بن عبدالمطلب الذي أنشد يقول :


ما كنتُ أحسبُ أنَّ الأمرَ منصـرفٌ * عن هاشمٍ ، ثُمَّ منها عن أبي الحســنِ

عن أوَّل النــاس إيمانـاً وسابقـةً * وأعلـمِ النــاس بالقـرآنِ والسُنـنِ

وآخر النـاس عهداً بالنبـيّ ومَــنْ * جبريـلُ عونٌ له فـي الغسل والكفن
ِ
مَنْ فيــه ما فيهم لا يمتــرون به * وليس في القوم ما فيه من الحسنِ (2)

ومنهم : المقداد وعمَّار وسلمان وأبو ذرٍّ وحذيفة بن اليمان وخالد بن سعيد بن العاص وأبو أيوب الأنصاري ، وسائر بني هاشم.
ولا ننسى موقف الحسن السبط من أبي بكر ، حين رآه يرقى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مايزال في الثامنة من عمره ، يناديه : « إنزل عن منبر
____________
1) الموفَّقيَّات | الزبير بن بكَّار : 585.
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 124 ، الموفَّقيَّات : 580.

--------------------------------------------------------------------------------

( 147 )

أبي ، واذهب الى منبر أبيك » (1)!
ومنهم : ابن عباس في حديثه مع عمر ، حين سأله عمر عن عليٍّ عليه السلام ، فقال : أيزعمُ أنَّ رسول الله نصَّ عليه ؟!
قال ابن عباس : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عن ذلك ، فقال : صدق (2) وغيرها من المواقف التي سنأتي عليها في موضوع لاحق.
ومنهم : قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي ، إذ ذكر ـ سعد بن عبادة ـ عليَّاً عليه السلام ، فذكر من أمره نصَّاً بوجوب ولايته ، فقال له ابنه : أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا الكلام في عليِّ بن أبي طالب ، ثُمَّ تطلب الخلافة ، ويقول أصحابك : منَّا أمير ومنكم أمير ؟! لا كلَّمتك والله من رأسي بعد هذا كلمةً أبداً (3) .
وفي ما وراء المدينة ومكة هناك قبائل من المسلمين ، لم يرضوا بالبيعة لأبي بكر ، فامتنعوا عن أداء الزكاة له ، لا جحوداً بالزكاة ، ولكن إنكاراً لزعامته (4) ، فعزم أبو بكر على مقاتلتهم بحجَّة أنَّ هذا الأمر تعطيل لفريضة الزكاة التي أوجبها الله على المسلمين ، غاضَّاً بصره عن السبب الأصلي الذي دعاهم إلى هذا الموقف الصلب ، وهو اعتراضهم على الخلافة!
فمع أحد شيوخ كندة في حضرموت ، الحارث بن سراقة يقول : « نحن إنَّما أطعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان حيَّاً ، ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه ،
____________
1) مختصر تاريخ دمشق 7 : 127.
2) شرح نهج البلاغة 12 : 21.
3) شرح نهج البلاغة 6 : 44.
4) وهؤلاء غير المرتدين الذين خرجوا من الإسلام كأتباع مسيلمة الكذاب وسجاح والاسود العنسي.

--------------------------------------------------------------------------------

( 148 )

وأمَّا ابن أبي قحافة فلا والله ، ما له في رقابنا طاعة ولا بيعة »!
ثمَّ أنشد أبياتاً ، كان أوَّلها :


أطعنــا رسول الله إذ كان بيننا * فيا عجباً ممَّن يطيع أبا بكرِ (1)

ومنهم : زعيم كندة الأشعث بن قيس ، الذي أمر قومه بمنع الزكاة ، وأن يلزموا بلادهم ، ويتَّحدوا على كلمة واحدة ، « فإنِّي أعلم أنَّ العرب لا تقرُّ بطاعة بني تيم بن مرَّة ، وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيرهم.. » (2).
والأنكى من ذلك كان الأمر مع مالك بن نويرة ، الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صدقات قومه ، فلمَّا نُعي له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام بتوزيع الصدقات على فقراء قومه ، ولم يبعثها إلى الخليفة الجديد..
وأنشد يقول :


فقلتُ خذوا أموالكـم غير خائفٍ * ولا نظرٍ فيما يجيء من الغدِ
فإن قام بالدين الُمحـوَّق قائــمٌ * أطعنا ، وقلنا الدين دينُ محمَّدِ

إذن هؤلاء لم تطمئن قلوبهم للخليفة الجديد ، هذه هي مشكلتهم التي من أجلها ارتكب خالد بن الوليد أبشع مجزرة في ظلَّ الخلافة الجديدة ، فضرب أعناقهم صبراً واحداً بعد الآخر وارتكب أيضاً أقبح كبيرة ، إذ واقع زوجة مالك في ليلة قتله (3) .
____________
1) انظر الفتوح | ابن أعثم 1 : 58 ، معجم البلدان| ياقوت الحموي ، « حضرموت ».
2) الفتوح 1 : 59 ـ 60.
3) الفتوح 1 : 21 ـ 23 ، أُسد الغابة والإصابة ترجمة خالد بن نويرة ، تاريخ اليعقوبي 2 : 131 ـ 132 ، سير أعلام النبلاء ( سير الخلفاء الراشدين ) : 43.

--------------------------------------------------------------------------------

( 149 )

وهناك حروب داخلية ـ دينية وسياسية ـ غير هذه التي ذكرناها ، لابدَّ من الوقوف عليها ولو بشيء من الاختصار ، تلك التي جرت مع المرتدّين حقَّاً ، الذين أعلنوا ارتدادهم عن الإسلام جهرةً ، ومالوا إلى أديان أُخرى ، وبعض رؤوساء هذه القبائل ادَّعى النبوَّة ، وكان على رأسهم : مسيلمة الكذَّاب ، الذي كان على قبيلة بني حنيفة ، ادَّعى النبوَّة ، قبل وفاة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ثُمَّ الأسود العنسي بصنعاء ، ثُمَّ ادَّعى النبوَّة طليحة بن خويلد الأسدي في بلاد بني أسد ، في مرض النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي توفِّي فيه.
ثمَّ ادَّعت النبوة سجاح بنت الحارث التميمية ، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان رجل من أصحابها ينشد :


أمستْ نبيَّتنا أنثى نطيفُ بها * وأصبحت أنبياء الناس ذُكرانا

وانتهى أمرها أن تزوَّجها مسيلمة (1) .
فكانت هذه الحروب حروب المرتدِّين الحقيقيين ، أهمَّ دواعي توحيد الصفِّ في المدينة المنوَّرة ، إذ كانت هذه الحروب طويلة وكثيرة ، وقد اتَّفقوا كلّهم على مقاتلتهم يداً واحدة.
أبو بكر يستشير الإمام علي عليه السلام في حرب الروم :
في مطلع سنة 13هـ عزم أبو بكر على محاربة الروم ، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقدَّموا وأخَّروا ، فاستشار عليَّ بن أبي طالب عليه السلام ، فأشار عليه أن يفعل ، وقال له : « إن فعلتَ ظفرت »
____________
1) أنظر : سيرة ابن هشام 4 : 182 ، تاريخ الطبري 3 : 146 ـ 147 ، 273 ـ 274.
--------------------------------------------------------------------------------

( 150 )


رد مع اقتباس
 
قديم 05-30-2007, 01:33 PM   رقم المشاركة : 35

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

--------------------------------------------------------------------------------

( 150 )
فقال : « بُشِّرت بخير » (1).
لكنَّ الناس تباطؤوا عن تلبية أمر أبي بكر ، فقال عمر : لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتَّبعتموه!
فاختار أبو بكر خالد بن سعيد على قيادة الجيش وعقد له اللواء ، لكنَّ عمر ـ وكعادته ـ اعترض ، بحجَّة أنَّه تباطأ في بيعته للخليفة؛ فقال : أتولِّي خالداً وقد حبس عنك بيعته ، وقال لبني هاشم ما بلغك ؟! فحلَّ لواءه وجعل الجيش تحت إمرة يزيد بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، وأبي عبيدة الجرَّاح ، وعمرو بن العاص ، بالإضافة إلى خالد وجنده.
فحقَّق المسلمون انتصارات عظيمة ومتوالية ، افتتحوا خلالها عدَّة مدن ، وهذه كانت بشارة أمير المؤمنين عليه السلام.
ولكن سنرى قريباً كيف كانت سياسة أبي بكر في تعيين الولاة والامراء قد حقَّقت مطامع بني أُميَّة ، وفتحت أمامهم أبواب الخلافة الواسعة ، حتى تربَّع أوغاد بني أُميَّة وغيرهم من الطلقاء على رؤوس المسلمين ، وجرت وراءها فتن وبحور من الدماء العظيمة!!
رجوع أبي بكر إليه في الأحكام الشرعية
ومن جملة موارد الرجوع إليه في الأحكام الشرعية والقضايا الدينيّة في عهد أبي بكر ، وكما جاء الخبر به عن رجال من العامَّة والخاصَّة : أنَّ رجلاً رُفع إلى أبي بكر وقد شرب الخمر ، فأراد أن يقيم عليه الحدَّ ، فقال له : إنَّني شربتها ولا علمَ لي بتحريمها ، لأنَّي نشأت بين قومٍ يستحلُّونها ، ولم
____________
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 132 ـ 133.

--------------------------------------------------------------------------------

( 151 )

أعلم بتحريمها حتى الآن.. فأُرتج (1) على أبي بكر ، ولم يعلم وجه القضاء فيه ، فأشار عليه بعضُ من حضره أن يستخبر أمير المؤمنين عليه السلام عن الحكم في ذلك ، فأرسل إليه من سأله عنه ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « مُرْ ثقتين من رجال المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار ، ويُناشدانهم الله هل فيهم أحدٌ تلا عليه آية التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم الحدَّ عليه ، وإن لم يشهد عليه أحدٌ بذلك فاستتبه وخلِّ سبيله » ففعل أبو بكر ذلك ، فلم يشهد عليه أحدٌ من المهاجرين والأنصار أنَّه تلا عليه آية التحريم ، ولا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فاستتابه أبو بكر وخلأَ سبيله ، وسلَّم لعليٍّ عليه السلام فيما حكم به (2).
جمع القرآن الكريم وتفسيره :
إنَّ الإمام عليَّاً عليه السلام وفي مدَّة اعتزاله الطويل تفرَّغ لعدَّة مهام ، كان أهمُّها وأوَّلها مهمَّة جمع القرآن الكريم ، فقد ثبت تاريخياً أنَّ عليَّاً عليه السلام أخذ على عاتقه الشريف مهمة جمع آيات الذكر الحكيم ، وكان ذلك مبكِّراً جدَّاً من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يخرج من بيته ، الا للصلاة حتى جمعه عنده.
وكان هذا أوَّل مصحف يجمع ، مرتَّباً بحسب ترتيب نزول السور القرآنية ، وكتب في حواشيه أشياء من الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ، واختصَّ به لنفسه..
____________
1) أُرْتجَ عليه وارتُجَّ عليه : استبهم عليه.
2) الإرشاد 1 : 199 وما بعدها..

--------------------------------------------------------------------------------

( 152 )

قال ابن سيرين : طلبت ذلك الكتاب ، وكتبت فيه إلى المدينة ، فلم أقدر عليه (1).
وكان الإمام عليٌّ عليه السلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبرز كتَّاب الوحي ، ولمَّا توفِّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر علياً عليه السلام يجمع القرآن الكريم في مصحفٍ واحدٍ ، لذلك باشر عليه السلام بجمع القرآن وترتيبه ، ولمَّا تولَّى أبو بكر الخلافة أمر من جهته بجمع القرآن الكريم ، وقد أسند هذه المهمَّة إلى الصحابي زيد بن ثابت الأنصاري.
ولمَّا كان الإمام عليٌّ عليه السلام أكثر الصحابة ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واختصاصاً به ، فقد كان أكثر من عُرف عنه تفسير القرآن الكريم ، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشأنه : إنَّه أكثرهم علماً ؟
وذكر القرطبي في تفسيره : « فأمَّا صدر المفسِّرين والمؤيَّد فيهم ، فعليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، ويتلوه عبدالله بن عبَّاس ، وهو تجرَّد للأمر وكمّله ، وقال ابن عبَّاس : ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليِّ بن أبي طالب » (2) .
وروي عن عليٍّ عليه السلام أنَّه قال : « سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيءٍ إلا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آيةٍ إلا وأنا أعلم أبليل نزلت ، أم بنهار ، أم في سهل ، أم في جبل » (3) .
وفي عهد أبي بكر واجه ـ وهو الخليفة ـ مشكلة في معنى بعض مفردات القرآن أحرجته كثيراً ، فقال في التخلُّص منها قولاً عجيباً ، فبلغ
____________
1) انظر فهرست النديم : 42 ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 166 ، المكتبة العصرية ـ بيروت 1988م.
2) تفسير القرطبي 1 : 27.
3) الإتقان في علوم القرآن 4 : 204.

--------------------------------------------------------------------------------

( 153 )

ذلك أمير المؤمنين فعجب لتوقف أبي بكر في هذه المفردة ، ثُمَّ لكلامه في التخلُّص منها.
سُئل أبو بكر عن معنى « الأبِّ » في قوله تعالى : ( وَفَاكِهَةً وَأبّاً ) (1) ، فتحيَّر في معناها ، فقال : أيُّ سماء تظلُّني أو أيُّ أرضٍ تقلُّني : أم كيف أصنع إن قلت في كتاب الله تعالى بما لا أعلم ؟! أمَّا الفاكهة فنعرفها ، وأمَّا الأبُّ فالله أعلم به!
فبلغ مقاله هذا أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : « يا سبحان الله! أما علم أنَّ الأبَّ هو الكلأ والمرعى ؟! وأمَّا قوله عزَّ اسمه : ( وَفَاكِهَةً وَأبّاً ) اعتدادٌ من الله سبحانه بإنعامه على خلقه فيما غذَّاهم به وخلقه لهم ولأنعامهم ، مما تحيى به أنفسهم وتقوم به أجسادهم » (2) .
ونحو هذا في جوابه عليه السلام في معنى الكلالة ، بعد أن تحيَّر فيها أبو بكر وتردَّد في معناها (3) .
قصَّة الاستخلاف :
في اللحظات الأخيرة من عمر أبي بكر ، عزم على أن يعهد بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطَّاب ، كذا وبكلِّ جرأة أنكر هو وأصحابه حديث الوصاية لعليٍّ عليه السلام ويوم غدير خُمٍّ ، وكأنَّ خلافة المسلمين ورثٌ ورثه من أبي قحافة ، وعليٌّ عليه السلام شهد كلَّ ذلك فكضم غيضه وأغمض عينيه ، وهو صاحب الحقِّ الأوَّل والأخير.
____________
1) سورة عبس : 31.
2) الإرشاد 1 : 200.
3) انظر المصدر السابق 1 : 200 ـ 201.

--------------------------------------------------------------------------------

( 154 )

وعلى أيِّ حالٍ فقد تجاهل ابن أبي قحافة ذلك الحقَّ الذي كان حبلاً في رقابنا ، وتجاهل حقَّ الأُمَّة المسلمة ، وأصرّ على استخلاف عمر ، فقيل له وهو على فراش الموت : ما كنت قائلاً لربِّك إذا ولَّيته مع غلظته ؟!
وكان من قول طلحة بن عبيدالله : استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ، وكيف به إذا خلا بهم ؟ وأنت لاقٍ ربك فسائلك عن رعيتك! (1)
وقد أغضبه كثرة تذمر الصحابة من استخلافه عمر ، فقال : إنّي ولّيت أمركم خيركم في نفسي ، فكلّكم ورِمَ أنفه من ذلك ، يريد أن يكون الأمر له دونه ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولمّا تُقبِل ، وهي مقبلة ، حتى تتّخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج ، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذريّ كما يألم أحدكم أن ينام على حَسَك السَعدان... وأنتم أوّل ضالّ بالناس غداً ، فتصدونهم عن الطريق يميناً وشمالاً... (2)
وقبل هذا وذاك استدعى عُثمان ليكتب له كتاب الوصية حتى لا يضلُّوا بعده!
روى ابن الأثير : أنَّ أبا بكر أمر عُثمان بن عفَّان ليكتب عهد عمر ، فقال له : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عَهِد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أمَّا بعد.. ثُمَّ أُغمي عليه ، فكتب عُثمان : فإنِّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطَّاب ، ولم آلكم خيراً.
ثمَّ أفاق أبو بكر ، فقال : أقرأ عليَّ. فقرأ عليه : فكبَّر أبو بكر ، وقال :
____________
1) الكامل في التاريخ 2 : 272 ـ 273.
2) تاريخ الطبري 3 : 430.

--------------------------------------------------------------------------------

( 155 )

أراك خفت أن يختلف المسلمون إن متُّ في غشيتي ؟! قال : نعم. قال : جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله.
فلمَّا كتب العهد أمر أن يُقرأ على الناس ، فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولىً له ، ومعه عمر ، فكان عمر يقول للناس : أنصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله ، فإنَّه لم يألكم نُصحاً! فسكت الناس (1) .
بالأمس القريب ادَّعى أبو بكر أنَّ الخلافة حقٌّ من حقوق المسلمين ، يولُّون من يجمع أمرهم عليه ، لكنَّه اليوم أوصى لعمر بن الخطَّاب ، دون أن يجمع المسلمين على كلمة واحدة!
ولنرى بعد ذلك قول الأستاذ عبدالفتاح عبد المقصود في كتابه « عليُّ بن أبي طالب » وهو يتحدَّث عن موقفه من أبي بكر ، بعد أن أوصى لعمر بن الخطَّاب من بعده ، قائلاً : « وكان حريَّاً بأن يفصم الغضب قلب عليٍّ عليه السلام لأنَّه إصرار على الحيف بعد الحيف ، ولكنَّه كظم وصبر ، ولم يضرَّه أن يأخذ مقعده في ذيل الناس ، مادام أصحاب الرسول قد بيَّتوا على نزع سلطان محمد من آله والخروج به ثانية من عقر بيته ، ولم يكن هذا بمستغرب من قريش ، ولكنَّه كان عجباً غاية العجب من الشيخ ، بعد أن استوت بينه وبين عليٍّ الأمور ، ولم تعد خافية على أبي بكر مكانة الشابِّ وأثره في حياة الجماعة الإسلامية ، من تضحيات وبذل عند ولادة الدين ومن حكمة وفضل ، ودولة الإسلام تشقُّ طريقها إلى الأمام... » (2) .
وتوفِّي أبو بكر في21 ـ 22 جمادى الآخرة سنة13هـ أواخر آب 634م.
____________
1) الكامل في التاريخ 2 : 273 ، وما بعدها.
2) عن سيرة الأئمة الأثني عشر 1 : 323.


رد مع اقتباس
 
قديم 06-07-2007, 12:33 PM   رقم المشاركة : 36

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

ثانياً : في عهد عمر بن الخطَّاب :
« فواعجباً ، بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته! لشدَّ ما تشطَّرا ضرعيها ، فصيَّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسُّها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها » (1)! !
نعم عجباً ، فبالأمس كان « الشيخ » يرجع إلى علي عليه السلام في شتَّى الأمور ليلتمس منه الصواب ، حتى كان يقول له : « لازلت موفَّقاً يا ابن أبي طالب » وكان يستقيل الخلافة في حياته إذ كان يقول : « أقيلوني أقيلوني فلست بخيركم » فكيف ـ والحال هذه ـ يعقدها لعمر بعد وفاته...!
وبلا شكٍّ فأنَّ هناك سابق اتِّفاق بينهما ـ بين الخليفة والوزير! ـ فقد كرهوا أن تجتمع النبوَّة والخلافة في بيت واحد ! هذا القول قد نطق به أحدهم بأعلى صوت وأصرح بيان!
وأخيراً ـ وكما هو منتظر ـ عهد أبو بكر بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطَّاب وكان عُثمان بن عفَّان من أشد أنصار هذا الاتِّجاه؛ لأنَّه شريك الدرب القيادي كما سيتَّضح قريباً!!
وبهذا الحال تمَّت الخلافة لعمر بن الخطَّاب ، وتحقَّقت ضالَّة قريش المنشودة في إبعاد أهل بيت النبوَّة الذين ظهر منهم شعاع الإسلام.. ويا ليتهم لم ينبسوا بكلمة واحدة تدين غصبهم لحقِّ أهل بيت النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، لكنَّهم وللأسف الشديد اعترفوا بكلِّ نواياهم المبيّتة..
مضى عمر بن الخطَّاب في سياسته على نفس الخطِّ الذي مشى به
____________
1) نهج البلاغة : الخطبة 3.

--------------------------------------------------------------------------------

( 157 )

أبوبكر ، حذراً كما أوصاه صاحبه : « إحذر هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله الذين انتفخت أوداجهم وطمحت أبصارهم » وكأنِّي أراه لا يقصد الا عليَّ بن أبي طالب!
وشدَّد عمر على هؤلاء النفر ، حسب ما أوصى إليه ابن أبي قحافة ، فأوَّل ما بادر الى فعله : حبس هؤلاء الثَّلة المؤمنة في المدينة ولا يسمح لهم أيضاً أن يقاتلوا الكفَّار مع المسلمين كي لا تنتفخ أوداجهم! ويقول لمن يلتمس منه الجهاد : لقد كان لك في غزوك مع رسول الله ما يكفيك ، نعم ما يكفيه من الثواب والشرف!! عجباً وألف عجب!!
نرجع القول مرَّة أُخرى : قد اعترفوا بحقِّ عليٍّ عليه السلام في الخلافة ، فهذا عمر بن الخطَّاب ، في حوار مع ابن عبَّاس دار بينهما ، يعترف بظلامة ابن أبي طالب.. وفي الحقيقة نلتمس من جواب ابن الخطَّاب على أسئلة ابن عبَّاس تبريرات عديدة في إقصاء عليٍّ عليه السلام عن حقِّه في خلافة الرسول.
يقول عمر أمام ابن عبَّاس : « لقد كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمره ذروٌ من قول ، لا يُثبت حجَّةً ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربعُ في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرِّح باسمه ، فمنعتُ من ذلك.. » وكذا أيضاً في حديث ابن عبادة (1) .
وفي عدَّة مواضع مع ابن عبَّاس :
قال ابن عبَّاس : إنِّي لأُماشي عمر في المدينة ، إذ قال لي : يا ابن عبَّاس ، ما أرى صاحبك الا مظلوماً.
____________
1) انظر شرح نهج البلاغة 6 : 44.
--------------------------------------------------------------------------------

( 158 )

فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها. فقلت له : يا أمير المؤمنين ، فاردد إليه ظلامته! فانتزع يده من يدي ، ومضى يهمهم ساعةً ، ثُمَّ وقف فلحقته ، فقال : يا ابن عبَّاس ، ما أظنُّهم منعهم عنه الا أن استصغره قومه!
فقلت في نفسي : هذه شرٌّ من الأولى ، فقلت : والله ، ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك (1) .
وفي مرَّةٍ أُخرى يقول لابن عبَّاس : أتدري ما منع الناس منكم ؟
قال ابن عبَّاس : لا.
قال عمر : لكنِّي أدري.
قال ابن عبَّاس : وما هو ، يا أمير المؤمنين ؟
قال : كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوَّة والخلافة فتجخفوا جخفاً (2) ، فنظرت قريش لنفسها فاختارت فأصابت!
قال ابن عبَّاس : أيُميط عنِّي أمير المؤمنين غضبه ، فيسمع ؟
قال : قل ما تشاء.
قال : أمَّا قولك : إنَّ قريشاً كرهت ، فإنَّ الله تعالى قال لقوم : ( ذلِكَ بِأنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أنزَلَ اللهُ فَأحْبَطَ أعْمَالَهُم ) وأمَّا قولك : إنَّا كنَّا نجخف ، فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ، ولكنَّا قوم أخلاقنا مشتقَّة من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال فيه الله تعالى : ( وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم ) وقال له : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين ).
____________
1) شرح نهج البلاغة 6 : 45 ، 12 : 46 ، مسند أحمد 1 : 3 ، 331 ، و3 : 212 ، 283 ، سنن الترمذي 5 : 636|3719 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 76 ، الإصابة 4 : 270.
2) جخف : تكبّر.
--------------------------------------------------------------------------------

( 159 )

وأمَّا قولك : فإنَّ قريشاً اختارت ، فإنَّ الله تعالى يقول : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة ) وقد علمت يا أمير المؤمنين أنَّ الله اختار من خلقِه لذلك مَنْ اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفِّقت وأصابت.
ثُمَّ قال : وأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقِّ من هو ، ألم تحتجَّ العرب على العجم بحقِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واحتجَّت قريش على سائر العرب بحقِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟! فنحن أحقُّ برسول الله من سائر قريش (1) .
وأمثال ذلك من الأعذار التي كان يلتمس منها ابن الخطَّاب سبباً يبرِّر موقفهم من الإمام عليٍّ عليه السلام ، وهي كثيرة يطول بذكرها المقام ، وقد عدَّها سبباً في إقصاء الإمام عليٍّ من الخلافة (2) .
وبعد مدَّةٍ وجيزة واصل عمر حروب الفتوح ، فبعث المثنى بن حارثة الشيباني في مواصلة تلك الحروب في نواحي العراق ، فهزمهم الفرس ففرُّوا إلى الأطراف ، فوقف عمر من أمره حائراً ، وأخذ يستشير الصحابة في أن يخرج هو بنفسه في مواصلة الحرب..
ولمَّا استشار عليَّاً عليه السلام نهاه عن الخروج قائلاً : « نحن على موعدٍ من الله ، والله منجزُ وعده ، وناصر جنده ، ومكان القيِّم بالأمر مكانُ النظَام من الخرز ، يجمعه ويضمُّه ، فإذا انقطع النظام تفرَّق الخرز وذهب ، ثُمَّ لم يجتمع بحذافيره أبداً ، والعرب اليوم ، وإن كانوا قليلاً ، فهم كثيرون بالإسلام ،
____________
1) انظر : الكامل في التاريخ 2 : 458 ، تاريخ الطبري 5 : 31 ، شرح ابن أبي الحديد 12 : 53 ـ 54 ، والآيات حسب التسلسل ، سورة محمَّد : 9 ، سورة القلم : 4 ، سورة الشعراء : 215 ، سورة القصص : 68.
2) انظر شرح ابن أبي الحديد 12 : 78 ـ 79 ، 6 : 45 ، 12 : 46.

--------------------------------------------------------------------------------

( 160 )

عزيزون بالإجتماع ، فكن قُطباً ، واستدر الرحا بالعرب.
إنَّك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمُّ إليك ممَّا بين يديك. إنَّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا : هذا أصل العرب ، فإذا اقتطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشدُّ لَكَلِبهم عليك ، وطمعهم فيك » (1) .
وبحقٍّ إنَّ كلَّ كلمة من كلمات هذه الخطبة تعكس لنا عظمة علم الإمام عليه السلام.. وتنمُّ عن شخصيته المجلَّلة بالكمال والحكمة والصدق ، وبحقٍّ إنَّه كما قيل : « هو القرآن الناطق ، وما بين الدفَّتين القرآن الصامت » فهو عليه السلام لم يأخذ الا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو معلِّمه الأوَّل والأخير الذي يستقي كماله من الله عزَّ وجلَّ..
فاستبشر عمر بهذه النصيحة العظيمة وعمل بها ، وكان باباً للفتوح وقنطرة لانتصارات عدَّة..
أمَّا أمير المؤمنين عليه السلام فقد قنع من الدنيا أن لا يتكلَّم الا بلسان البررة الأطهار ، ليقدِّم للمسلمين ، ويحافظ على الشريعة المطهرة ، ويمنع من مخالفتها قولاً أو فعلاً ، في أكثر الموارد التي أوضح فيها المشكلات على عمر وحال دون تطبيق أحكام منها على خلاف الكتاب والسنة ، بحيث لو سكت لكانت أحكاماً تتّبع ، حتى قال فيه عمر : « لولا عليٌّ لهلك عمر » ، « أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن ».
كذا رضي لنفسه أن يكون كغيره من الناس ، متجاهلاً حقَّه ، من أجل
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 146.

--------------------------------------------------------------------------------

( 161 )

حفظ بيضة الإسلام ، وقد ساهم الإمام عليه السلام بكلِّ ما بوسعه ، وادَّى ما عليه من البلاغ ، من تعليم وتفقيه ، بل وقضاء أيضاً..
ومن الأمور التي أشار الإمام على ابن الخطَّاب هو أن يدوِّن التاريخ الإسلامي ، وأن يجعل أول عام في تاريخ المسلمين هو عام الهجرة ، حيث لم يكن للناس تاريخ خاص يؤرِّخون فيه ، فبعضهم كان يؤرِّخ بعام الفيل ، وآخرون يعتمدون في تاريخهم تأريخ الدول المجاورة لهم.. ممّا سبَّب الكثير من المشاكل والخلافات ، لذلك عزم ابن الخطَّاب على أن يضع للمسلمين تاريخاً يعتمدونه في أمورهم.
ولمَّا رأى اختلاف الصحابة توجَّه إلى الإمام عليه السلام ـ كعادته ـ بعد أن خاف أن يتفرَّق أصحابه؛ لأنَّهم وقعوا في اختلاف شديد.. لمَّا أقبل على عليِّ بن أبي طالب عليه السلام اتَّجه إليه يسأله ، فقال عليه السلام : « نؤرِّخ بهجرة الرسول من مكَّة إلى المدينة » فأعجب ذلك الخليفة وكلُّ الصحابة ، وهتف عمر يقول : « لازلت موفَّقاً يا أبا الحسن » ، فأرَّخ بأهمَّ حدثٍ تاريخي عظيم ، هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبداية عهد جديد في انتصارات عديدة ، كما مرَّ سابقاً..
وفي هذه الفترة ظهر من الإمام عليٍّ أمور كثيرة وتعلّم الناس منه الفقه والحديث والتفسير ، وكان مرجع المسلمين والمحافظ على الاحكام وسبباً للنجاة من القتل والخلاص من الموت ، فمثلاً :
روي أنَّه أُتي عمر بن الخطَّاب بحاملٍ قد زنت ، فأمر برجمها ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : « هَبْ لك سبيلٌ عليها ، أيُّ سبيل لك على ما في بطنها! ؟ والله تعالى يقول : ( وَلأ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) » ، فقال عمر : لا عشتُ


--------------------------------------------------------------------------------

( 162 )

لمعضلةٍ لا يكون لها أبو حسن ، ثُمَّ قال : فما أصنع بها ؟ قال : « احتط عليها حتى تلد ، فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فأقم الحدَّ عليها » فسُرِّي بذلك عن عمر ، وعوَّل في الحكم به على أمير المؤمنين عليه السلام (1) .
وتوفِّي عمر في ليلة الأربعاء ، لثلاثٍ بقين من ذي الحجَّة سنة ثلاث وعشرين ، طعنه أبو لؤلؤة ، مولى المغيرة بن شعبة ، بخنجرٍ مسموم ، فمات على أثرها (2) ) .
قصَّة الشورى (3):
لمَّا طُعنَ عمر بن الخطاب ، أُخذ ودماؤه تسيل منه ، قيل له وهو واهن القوى : لو استخلفت على الناس ، يا أمير المؤمنين! فقال : إن أستخلف ، فقد استخلف مَنْ هو خيرٌ منِّي ، وإن أترك فقد ترك مَنْ هو خيرٌ منِّي ـ يشير إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر ـ وأراد من ذلك أن يكون الأمر للمسلمين شورى ، فظهر مبدأ الشورى لأوَّل مرَّة على لسانه في خطبته الشهيرة التي قال فيها : « فمن بايع رجلاً من غير مشورةٍ من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه ، تغرَّة أن يُقتلا » (4) .
ثُمَّ لم يلبث مليَّاً حتى نقض قوله ، بقوله : « لو كان أبو عبيدة حيَّاً لولَّيته!
____________
1) إرشاد المفيد 1 : 204 وما بعدها.
2) أنظر قصَّة مقتله في الكامل في التاريخ 2 : 446 ، سير أعلام النبلاء 2 : 88 ، وغيرها من كتب التراجم والتاريخ.
3) عن : سير أعلام النبلاء 2 : 92 وما بعدها ، الإصابة 2 : 508 ترجمة الإمام عليِّ بن أبي طالب ، الكامل في التاريخ 2 : 459 ، طبقات ابن سعد 3 : 260..
4) صحيح البخاري 6|6442 ، مسند أحمد 1 : 56.
--------------------------------------------------------------------------------

( 163 )

لو كان معاذ بن جبل حيَّاً لولَّيته! لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيَّاً لولَّيته »! (1) ذلك لأن تمسكه بالشورى كان له سبب مثير!!
ففي موسم الحج من تلك السنة جاء عبدالرحمن بن عوف إلى ابن عباس ، فقال له : لو سمعت ما قاله أمير المؤمنين ـ يعني عمر بن الخطاب ـ إذ بلغه أن فلاناً « قال : لو قد مات عمر لبايعت فلاناً » فما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة.. فهمّ عمر أن يخطب الناس رداً على هذا القول فنهيته لاجتماع الناس كلهم في الحج وقلت له : إذا عدت المدينة فقل هناك ما تريد ، فإنه أبعد عن إثارة الشغب.
فلما رجعوا من الحج إلى المدينة قام عمر في خطبته المذكورة.
قال ابن حجر العسقلاني : وجدته في الأنساب للبلاذري بإسناد قوي من رواية هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري ، بالإسناد المذكور في الأصل ، ولفظه قال عمر : بلغني أن الزبير قال : لو قد مات عمر لبايعنا علياً.. الحديث (2)
اختار عمر ستة من الصحابة ، زعم : « أنَّ رسول الله كان راضياً عن هؤلاء الستَّة » وهم : عُثمان بن عفَّان وعليُّ بن أبي طالب ، وطلحة وسعد بن أبي وقَّاص والزبير وعبدالرحمن بن عوف قال : « وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم ».

____________
1) الكامل في التاريخ 2 : 459 ، طبقات ابن سعد 3 : 343.
2) مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري | 337 ، القسطلاني | إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 10 : 19.

--------------------------------------------------------------------------------

( 164 )

واستدعى إليه أبا طلحة الأنصاري فقال له : يا أبا طلحة ، إنَّ الله طالما أعزَّ بكم الإسلام ، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار حاملي سيوفكم ، وخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ، واجمعهم في بيتٍ واحد ، وقم على رؤوسهم ، فإنَّ اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف ، وإن اتَّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ، وإن رضي ثلاثة فانظر الثلاثة الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمَّا اجتمع فيه الناس ، وإن مضى الستَّة ولم يتَّفقوا على أمر ، فاضرب أعناق الستَّة ، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم..
هذا هو مبدأ الشورى الذي أراده عمر ، ولنرى كيف تمَّ الإتِّفاق..
ولمَّا خرج عليٌّ عليه السلام والجماعة من البيت بانتظار الموعد المعيَّن ، ما لبث أن جاءه عمُّه العبَّاس يسأله عمَّا جرى ، فقال : « عدلتْ عنَّا »! فقال : وما علمك ؟
قال : « قرن بي عُثمان ، وقال : كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً ، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن ، فسعد لا يخالف ابن عمِّه ، وعبدالرحمن صهر عُثمان لا يختلفون ، فيولِّيها أحدهما الآخر ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ».. ومضى يقصُّ على عمِّه أحداث الشورى وتفاصيلها ، حتى ملكته الدهشة لما سمع.. فقال له العبَّاس : إحذر هؤلاء الرهط ، فإنَّهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم به غيرنا ، وأيم الله لا يناله الا بشرٌ لا ينفع معه خير! فقال عليٌّ عليه السلام : « أمّا لئن بقي عُثمان لأذكِّرنَّه ما أتى ، ولئن مات ليتداولُنَّها بينهم ، ولئن فعلوا لتجدنِّي حيث


--------------------------------------------------------------------------------

( 165 )

يكرهون » (1).
ولمَّا اجتمعوا تكلَّم أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : « الحمد لله الذي بعث محمَّداً منَّا نبيَّاً ، وبعثه إلينا رسولاً ، فنحن بيت النبوَّة ، ومعدن الحكمة ، وأمان أهل الأرض ، ونجاة لمن طلب ، لنا حقٌّ إن نُعْطَه نأخذه ، وإن نُمْنَعْه نركبْ أعجاز الإبل ولو طال السُّرى ، لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهداً لأنفذنا عهده ، ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت ، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقٍّ وصلة رحم ، لا حول ولا قوَّة الا بالله ، اسمعوا كلامي وعوا منطقي ، عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا المجمع تُنتضى فيه السيوف ، وتُخان فيه العهود ، حتى تكونوا جماعة ، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة » ثُمَّ قال :


فإن تكُ جاسمٌ هلكــتْ فإنِّي * بما فعلتْ بنو عبد بن ضخمِ
مطيعٌ في الهواجرِ كلَّ عيٍّ * بصيرٌ بالنَّوى مـن كلِّ نجمِ (2)

ومهما كان الحال ، فقد جاء في سائر التواريخ أنَّ أوَّل عمل قام به طلحة أن أخرج نفسه منها ، ووهب حقَّه فيها لعثمان بن عفَّان ، كرهاً منه لعليِّ بن أبي طالب عليه السلام ، وأدرك الزبير النوايا المبيتة من طلحة ، فثارت في نفسه نزعة القرابة التي تشدُّه إلى عليٍّ عليه السلام ، فقال : وأنا أُشهدكم نفسي أنِّي قد وهبت حقِّي في الخلافة لعليِّ بن أبي طالب ، فوقف سعد بن أبي وقَّاص وقال : لقد وهبت حقِّي لعبد الرحمن بن عوف ، « وبقي في الساحة ثلاثة كلُّ واحدٍ منهم يمثِّل اثنين » فقال عبدالرحمن لعثمان وعليٍّ عليه السلام : أيُّكما يخرج منها للآخر ؟ فلمَّا
____________
1) الكامل في التأريخ | ابن الأثير 2 : 461 ط. دار الكتب العلمية.
2) تاريخ الطبري 4 : 237 ، الكامل في التاريخ 2 : 466.

--------------------------------------------------------------------------------

( 166 )

لم يجد منهما جواباً ، أخرج نفسه منها على أن يجعلها في أفضلهما.
وعرض على كلٍّ منهما أن يتولَّى الأمر من يؤثر الحقَّ ولا يتَّبع الهوى ، ولا يخصُّ ذا رحمِ ولا يألو الأُمَّة نصحاً ، فوافق كلٌّ منهما على هذه الشروط.. لكنَّه ـ وبعد أن أحرجه الإمام بقبول الشروط ـ خلا عبدالرحمن بسعد بن أبي وقَّاص ، فأدرك عليٌّ عليه السلام أنَّهما إنَّما يريدان مخرجاً يسهِّل لهما أن يُعطوا الخلافة لعثمان؛ فقال أمير المؤمنين لسعد : « ( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَام ) (1) ، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبرحم عمِّي حمزة منك أن لا تكون ظهيراً لعبد الرحمن »..
ويبدو من هذا الاتِّفاق أنَّهم خرجوا بشرط جديد يُحرِج عليَّاً عليه السلام ، ولا يمكن له أن يقبله ، وبذلك تكون البيعة لعثمان بن عفَّان ، فقال عبدالرحمن لعليٍّ عليه السلام : عليك عهد الله وميثاقه ، لتعملن بكتاب الله وسُنَّة رسوله وسيرة الشيخين من بعده ، قال الإمام : « أعمل بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه وبرأيي ، فيما لا نصَّ فيه من كتابٍ أو سُنَّة » ، ودعا عُثمان فقال له مثل ما قال لعليٍّ عليه السلام فوافق عليها ، وقال : نعمل نعمل ، فرفع رأسه إلى سقف المسجد ، ويده في يد عُثمان فقال : اللَّهمَّ اسمع واشهد ، اللَّهمَّ إنِّي قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عُثمان ، فبايعه ، وبهذا النحو الذي شهدناه تمَّت البيعة لعثمان ، وحسب التخطيط الذي أراده عمر بن الخطَّاب.
وعقّب الأُستاذ هاشم معروف الحسني على قصَّة الشورى هذه بقوله : « أقول ذلك وأنا على يقين بأنَّ عليَّاً لو وافقهما على الشرط الأخير ، لوضعا
____________
1) سورة النساء : 1.

--------------------------------------------------------------------------------

( 167 )

له شرطاً آخر ، وهكذا حتى ينسحب منها ، وتتمَّ لابن عفَّان بلا منازع ».
حتماً ، فهذه ليست أوَّل مؤامرة تظاهروا بها على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال أمير المؤمنين عليه السلام حينها : « ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ، ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون ) ، والله ما وليتَ عُثمان إلا ليردَّ الأمر إليك ، والله كلُّ يومٍ في شأن »! فقال عبدالرحمن : يا عليُّ ، لا تجعل على نفسك حجَّةً وسبيلاً ، فخرج عليٌّ عليه السلام وهو يقول : « سيبلغ الكتاب أجله » ، فقال المقداد : يا عبدالرحمن ، أما والله لقد تركته ، وإنَّه من الذين يقضون بالحقِّ وبه يعدلون ، فقال : يا مقداد ، والله لقد اجتهدتُ للمسلمين. قال : إن كنتَ أردتَ الله فأثابك الله ثواب المحسنين.
ثم قال المقداد : ما رأيتُ مثل ما أتى إلى هذا أهل البيت بعد نبيِّهم ، إنِّي لأعجب من قريش أنَّهم تركوا رجلاً ما أقول ولا أعلم أنَّ رجلاً أقضى بالعدل ولا أعلم منه ، أما والله لو أجد أعواناً عليه!
فقال عبدالرحمن : يا مقداد ، اتِّق الله ، فإنِّي خائفٌ عليك الفتنة.
فقال رجل للمقداد : رحمك الله ، مَن أهل هذا البيت ، ومن هذا الرجل ؟
قال : أهل البيت بنو عبدالمطَّلب ، والرجل عليُّ بن أبي طالب.
فقال عليٌّ عليه السلام : « إنَّ الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر بينها فتقول : إن وُلِّيَ عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً ، وما كانت في غيرهم تداولتموها بينكم ».
وقد شهد أبو الطفيل رضي الله عنه حادثة الشورى بما شهده وسمعه ، فقال : كنت على الباب يوم الشورى ، فارتفعت الأصوات بينهم ، فسمعت عليَّاً عليه السلام


--------------------------------------------------------------------------------

( 168 )

يقول : « بايع الناس لأبي بكر ، وأنا والله أولى بالأمر منه وأحقُّ به منه ، فسمعتُ وأطعتُ مخافة أن يرجع الناس كفَّاراً يضرب بعضهم رقاب بعضٍ بالسيف ، ثُمَّ بايع الناس عمر وأنا والله أولى بالأمر منه ، وأحقُّ به منه ، فسمعتُ وأطعتُ مخافة أن يرجع الناس كفَّاراً يضرب بعضم رقاب بعضٍ بالسيف ، ثُمَّ أنتم تريدون أن تبايعوا عُثمان! إذاً أسمع وأُطيع » (1) .
ولمَّا عزموا على البيعة لعثمان ، قال الإمام عليٌّ عليه السلام : « أُنشدكم الله ، أفيكم أحد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين نفسه غيري ؟ » قالوا : لا. قال : « أفيكم أحدٌ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من كنتُ مولاه فهذا مولاه ، غيري ؟ » قالوا : لا.
قال : « أفيكم أحدٌ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى غيري ؟ » قالوا : لا.
قال : « أفيكم من أؤتمن على سورة براءة ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنَّه لا يؤدِّي عنِّي الا أنا أو رجل منِّي ، غيري ؟ » قالوا : لا.
قال : « ألا تعلمون أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرُّوا عنه في مأقطِ الحرب في غير موطن ، وما فررتُ قطُّ ؟ » قالوا : بلى.
قال : « ألا تعلمون أنِّي أوَّل الناس إسلاماً ؟ » قالوا : بلى.
قال : « فأيُّنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسباً ؟ » قالوا : أنت.
فقطع عليه عبدالرحمن بن عوف كلامه ، وقال : يا عليُّ ، قد أبى الناس الا عُثمان ، فلا تجعلنَّ على نفسك سبيلاً!
ثُمَّ توجَّه عبدالرحمن إلى أبي طلحة الأنصاري ، فقال له : يا أبا طلحة ،
____________
1) كنز العمَّال 5 : 724|14243.

--------------------------------------------------------------------------------

( 169 )

ما الذي أمرك عمر ؟ قال : أن أقتل من شقَّ عصا الجماعة!
فقال عبدالرحمن لعليٍّ : بايع إذن ، والا كنتَ متَّبعاً غير سبيل المؤمنين!! وأنفذنا فيك ما أُمرنا به!!
فقال عليٌّ عليه السلام كلمته الشهيرة : « لقد علمتم أنِّي أحقُّ بها من غيري ، ووالله لأُسلمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جورٌ الا عليَّ خاصَّةً؛ إلتماساً لأجر ذلك وفضله ، وزهداً في ما تنافستموه من زخرفه وزبرجه » (1) .
كان هذا آخر ما قاله الإمام عليٌّ عليه السلام يوم الشورى ، فهل تسمَّى هذه شورى ؟ أم غلبة بالسيف ؟!
وختاماً من المناسب أن نذكر هذا المقطع من الخطبة المعروفة بالشقشقية والذي يصف فيه موقفه من هذه الشورى ، فيقول : « فصبرتُ على طول المدَّة ، وشدَّة المحنة.. حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعة زَعَم أنِّي أحدهم ، فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريبُ فيَّ مع الأوَّل منهم حتى صرتُ أُقرنُ إلى هذه النظائر! » (2) .
ثالثاً : في عهد عُثمان :
دُفن عمر وتمَّت قصَّة الشورى ، وزُفَّ عُثمان كما زُفَّ صاحباه من قبل ، وبايعه الناس ، وتصدَّر المنبر ، منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ليخطب فيهم خطبته التي سيعلن فيها تعهده بالتزام سيرة الشيخين ، وسنرى فيما بعد كيف أنَّه خالف ما تعهد التزامه ، حتى سيرة الشيخين في عدَّة أمور ، وعطَّل بعض
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 6 : 166.
2) نهج البلاغة ، الخطبة 3.

--------------------------------------------------------------------------------

( 170 )


رد مع اقتباس
 
قديم 07-20-2007, 10:24 PM   رقم المشاركة : 37

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

--------------------------------------------------------------------------------

( 170 )

الواجبات حتى أصبح عهده عهد الفتن..
ومن أهمِّ الأمور التي انتهجها عُثمان في سياسته ، والتي فتحت أبواباً من الفتن واسعة :
1 ـ أحاط نفسه بأزلام بني أُميَّة ، وتربَّع على العرش يهب أموال المسلمين لرجالات عمومته بني أُميَّة ، فكانوا المقرَّبين منه ، بحيث ترك مشورة كبار الصحابة ، ولم يستعمل أحدهم على أمر من أمور المسلمين واستغنى برأيه ورأي مروان ، والأنكى من كلِّ ذلك أنَّه ألحق الضرر والضرب ـ وحتى الموت ـ بكبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسجن آخرين. فضرب عمَّاراً وفتق بطنه ، وسيَّر أبا ذرٍّ إلى الربذة ، وسيَّر عامر بن قيس من البصرة إلى الشام! وغير ذلك من الأمور الشنيعة ، حتى غلب على عهده التسلُّط والاثرة وجمع الأموال ، واكتفى برأي أصحاب الحيلة والدهاء ، من ذوي قرباه.
2 ـ استبدال الولاة الذين عيَّنهم عمر ، بولاة جدد من بني أُميَّة من أصحاب المطامع ، وليس لأحدهم دين وازع أو سلطان رادع ، ولم يكن همُّ أحدهم سوى جمع الأموال والتربُّع على عرش الملك!
فجمع الشام كلَّه لابن عمِّه معاوية ، وعبدالله بن أبي سرح ـ المرتدُّ ، الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتله ولو وجد متعلِّقاً بأستار الكعبة! ـ على مصر ، وهو أخوه من الرضاع ، وفي الكوفة ـ أخوه لاُمِّه ـ الوليد بن عقبة ، وفي البصرة ابن عمِّه سعيد بن العاص ، وولَّى ابن خاله عبدالله بن عامر على خراسان ، وفي المدينة المنوَّرة « مقرُّ الخلافة » كان مروان بن الحكم


--------------------------------------------------------------------------------

( 171 )

ـ طريد رسول الله ولعينه ـ وزير الخليفة ومستشاره ، فهو ابن عمِّه وكاتبه.
وكلُّهم من طغمة بني أُميَّة خاصَّة من مسلمة الفتح « الطلقاء ، والمؤلَّفة قلوبهم » حتى أصبحت أموال الدولة والمسلمين متاعاً خاصاً لهم ، وظنُّوا أنَّ الخلافة وراثةً لهم ، كما قال أبو سفيان : « يا بني أُميَّة تلقَّفوها تلقُّف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم ، ولتصيرنَ إلى صبيانكم وراثةً »!
فهؤلاء هم عمال عُثمان الذين لا يريد أحدهم سوى أن يصبح جبَّاراً في الأرض أو ملكاً يُطاع أو يُسجد له!!
وقد كانت هذه المفارقات وغيرها السبّب لثورة الناس ضدّه ، فسعى الأمام عليه السلام للإصلاح وإخماد الفتنة ، وكم ذكّره بالله والدين ، وبحقوق المسلمين ، وكان مما قال له مرةً : « والله لو ظلم عامل من عمّالك حيث تغرب الشمس لكان اثمه شركاً بينه وبينك » (1) .
مهَّدت إلى ظهور فتن وأزمات وكم سعى الامام عليه السلام ومن معه من الصحابة في الإصلاح ولم يستجب عثمان ومن حوله لدعوته ، حتى فلت الأمر من يده ، لا سيّما وأنّ بعض أكابر الصحابة كانوا يساندون الثائرين على عثمان والمعترضين بشدة ويؤلّبون الجماهير ضده منهم عائشة التي كانت تقول : اقتلوا نعثلاً فقد كفر. وطلحة الذي كان يكاتب أهل البصرة يحرِّضهم على النهوض لقتل عُثمان (2) . وعبدالرحمن بن عوف الذي قال
____________
1) شرح نهج البلاغة | لابن أبي الحديد 9 : 15.
2) الكامل في التاريخ 3 : 109.

--------------------------------------------------------------------------------

( 172 )

لعثمان : « لِمَ فررتَ يوم أُحد ، وتخلَّفت عن بدر ، وخالفت سُنَّة عمر ؟ » (1) .
ولمَّا طالبت الجماهير المنتفضة عُثمان بعزل الولاة الفاسدين ، واستبدالهم بولاةٍ صالحين ، أبى ذلك ، فعزل أهل الكوفة سعيد بن العاص الأموي ورشحوا أبا موسى الأشعري ، لكن عثمان أقرّ سعيداً ولم يعزله ، وهكذا كان الأمر في بعض الولايات الاسلامية الاخرى بسبب ما لاقاه الناس من الولاة من جورٍ وفساد ، وحينئذٍ عادوا وطلبوا من عثمان ، أن يعزل نفسه ، حينها قال عُثمان : « ما كنت لأخلع سربالاً سربلنيه الله » (2) ، فجعل أمر الخلافة هبةً من الله تعالى ، ولا يمكن له أن ينزعها ، وليس من حقِّ الأُمَّة أيضاً أن تثور عليه وتنزع الخلافة منه!
رأى عُثمان أنَّ الأُمَّة كلَّها ضدَّه وسوف لا تتركه حتى يستجيب لارادتها ، ولم يرَ ناصحاً في هذه الأيَّام الشديدة من حياته غير الإمام عليِّ بن أبي طالب عليه السلام ، حينها أجتمع الناس إلى الإمام عليه السلام وبيَّنوا له فساد الأمر بيد عُثمان ، فنهض الإمام عليه السلام ليكلِّم الخليفة وينصحه ، فقال له : « إنَّ الناس ورائي ، وقد استسفروني بينك وبينهم ، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلُّك على أمرٍ لا تعرفه ، إنَّك تعلم ما نعلم ، وما سبقناك إلى شيءٍ فنُخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلِّغكه ، وقد رأيتَ كما رأينا ، وسمعتَ كما سمعنا ، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما صحبنا..
وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطَّاب بأولى بعمل الحقِّ منك ، وأنت
____________
1) سير اعلام النبلاء ( الخلفاء الراشدون ) : 186.
2) تاريخ الطبري 4 : 371.

--------------------------------------------------------------------------------

( 173 )

أقرب إلى أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيجة رحمٍ منهما ، وقد نلتَ من صهره ما لم ينالا ، فالله الله في نفسك ، فإنَّك والله ما تُبصَّر من عمىً ، ولا تُعلَّم من جهلٍ ، وإنَّ الطرق لواضحة ، وإنَّ أعلام الدين لقائمة..
فاعلم أنَّ أفضل عباد الله عند الله إمامٌ عادل ، هُدِي وهدى ، فأقام سُنَّةً معلومة ، وأمات بدعةً مجهولة ، وإنَّ السنن لنيِّرةٌ لها أعلام ، وإنَّ البدع لظاهرةٌ لها أعلام. وإنَّ شرَّ الناس عند الله إمامٌ جائرٌ ، ضلَّ وضُلَّ به ، فأمات سُنَّةً مأخوذةً ، وأحيا بدعةً متروكة ، وإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر ، فيُلقى في نار جهنَّم فيدور فيها كما تدور الرحى ، ثُمَّ يرتبط في قعرها..
وإنِّي أُنشدك الله الا تكون إمام هذه الأُمَّة المقتول! فإنَّه كان يُقال : يُقتل في هذه الأُمَّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويلبس أمورها عليها ، ويبثُّ الفتن فيها ، فلا يُبصرن الحقَّ من الباطل ، يموجون فيها موجاً ، ويمرجون فيها مرجاً ، فلا تكوننَّ لمروان سيِّقةً يسوقك حيث شاء بعد جلال السنِّ وتقضِّي العمر »!
فقال له عُثمان : « كلِّم الناس فيّ أن يؤجِّلوني حتى أخرج إليهم من مظالمهم ».
فقال عليه السلام : « ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه » (1) مة.
فكلَّمهم عليٌّ ، فرجع المصريون إلى مصر ، ولكنَّ تأخَّر عُثمان عن
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 164.
--------------------------------------------------------------------------------

( 174 )

تنفيذ ما وعدهم به ، وكان الذي صرفه عن ذلك مروان بن الحكم ، إذ قال لعثمان : تكلَّم وأعلِمِ الناس أنَّ أهل مصر قد رجعوا ، وأنَّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً ، قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ، ويأتيك ما لا تستطيع دفعه! ففعل عُثمان ذلك (1) .
فثارت الفتنة من جديد ، وانتفضت الجموع الغاضبة ، فتشبَّث عُثمان مرَّةً أُخرى بعليٍّ عليه السلام بعد أن رجع المصريون وحاصروه ، فقال له : « يا ابن عمِّ ، إنَّ قرابتي قريبة ، ولي عليك حقٌّ عظيم ، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم ، وهم مُصبِّحيَّ ، ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك ، وأُحبُّ أن تركب إليهم فتردَّهم عنِّي ».
فقال له عليٌّ عليه السلام : « على أيِّ شيءٍ أردُّهم عنك » ؟
قال : « على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي ».
فقال عليٌّ : « إنِّي قد كلَّمتك مرَّةً بعد أُخرى ، فكلُّ ذلك نخرج ونقول ، ثُمَّ ترجع عنه ، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبدالله بن سعد ، فإنَّك أطعتهم وعصيتني ».
قال عُثمان : « فأنا أعصيهم وأُطيعك ».
فأمر الناس ، فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلاً ، فأتى المصريِّين فكلَّمهم ، فذكر لهم ما وعد به عُثمان من العمل بالحق وإرضائهم (2).
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 54 ، تاريخ الطبري 4 : 360.
2) الكامل في التاريخ 3 : 53 ـ 54.

--------------------------------------------------------------------------------

( 175 )

ولمَّا عاد الإمام عليٌّ عليه السلام من مهمَّته في تبليغ الوعود ، قال لعثمان : « تكلَّم كلاماً يسمعه الناس منك ، ويشهدون عليك ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة ، فإنَّ البلاد قد تمخَّضت عليك ، فلا آمن أن يجيء ركب آخرين من الكوفة ، فتقول : يا عليُّ اركب إليهم ، ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمع عذراً ، ويقدم ركب من البصرة ، فتقول : يا عليُّ اركب إليهم ، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقِّك ».
فخرج عُثمان فخطب الناس ، فقال بعد الحمد والثناء : أمَّا بعد أيُّها الناس ، فوالله ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله ، وما جئت شيئاً الا وأنا أعرفه ، ولكنِّي فتنتني نفسي وكذَّبتني وضلَّ عنِّي رشدي ، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « من زلَّ فليتب ، ومن أخطأ فليتب ، ولا يتمادَّ في الهلكة ، إنَّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق » ، فأنا أوَّل من اتَّعظ ، واستغفر الله ممَّا فعلت وأتوب إليه ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم ، فوالله لئن ردَّني الحقُّ عبداً لأستنَّ بسُنَّة العبد ، ولأذلَّنَّ ذلَّ العبد ، ولأكوننَّ كالمرقوق ، إن مُلِكَ صبر ، وإن عُتِقَ شكر ، وما عن الله مذهب الا إليه ، فلا يعجزنَّ عنكم خياركم أن يدنوا إليَّ ، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي (1) ، فوالله لأعطينَّكم الرضا ، ولأُنحينَّ مروان وذويه ولا أحتجب عنكم (2).
فرقَّ الناس له ، وبكوا ، وبكى هو أيضاً..
____________
1) تاريخ الطبري 4 : 360 ـ 361.
2) الكامل في التاريخ 3 : 55.

--------------------------------------------------------------------------------

( 176 )

ولمَّا نزل عُثمان وعاد إلى بيته عاب عليه مروان إقراره بالخطأ ، وما أعطاهم من الوعد بالإصلاح والصلاح ، ولم يكن من عُثمان الا أن يركن إلى كلامه ويقول : أُخرج إلى الناس فكلِّمهم ، فإنِّي أستحي أن أُكلِّمهم! وخرج مروان إلى الناس فقال لهم : ما شأنكم ؟ قد اجتمعتم كأنَّكم جئتم لنهب! شاهت الوجوه! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! أُخرجوا عنَّا.. ارجعوا إلى منازلكم ، فإنَّا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا (1) .
ولمَّا بلغ عليَّاً عليه السلام هذا الكلام ، وأنّ عُثمان أصرَّ على سياسته التي اختطَّها مروان وغيره ، ولم يستطع أن يغيِّر من موقفهم ، قال : « أي عباد الله ، يا للمسلمين! إنِّي إن قعدت في بيتي قال لي : تركتني وقرابتي وحقِّي ، وإنِّي إن تكلَّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان ».. وقام مغضباً حتى دخل على عُثمان فقال له : « أما رضيت من مروان ولا رضي منك ، الا بتحريفك عن دينك وعن عقلك.. والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ، وأيمُ الله إنِّي لأراه يوردك ولا يُصدرك! وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك ، وغُلبت على رأيك » (2) .
وندم عُثمان على فعله ، فبعث إلى عليٍّ عليه السلام يستصلحه ، فقال عليٌّ عليه السلام : « أخبرته إنِّي غير عائد ».. أمَّا الناس فقد حاصروا عُثمان في بيته ومنعوا عنه الماء.. فاشتدَّ عليه الأمر ، وضلَّ حائراً لا يلوي فعل شيء ، الا أن يغلق عليه بابه وينتظر ما سيحدث!
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 56 ، البداية والنهاية 7 : 193.
2) تاريخ الطبري 4 : 363.

--------------------------------------------------------------------------------

( 177 )

لكنَّ أمير المؤمنين عليه السلام أمر ولديه الحسن والحسين عليهما السلام بحمل سيفيهما والذود عن عُثمان يمنعان الناس عنه..
وذهب عليه السلام إلى طلحة ـ وكان هو الذي قد منع الماء عن عُثمان مع جماعة حوله ـ متناسياً كلَّ ما حدث من عُثمان ، فقال له : « يا طلحة ، ما هذا الأمر منك الذي وقعت فيه » ؟!
قال : « يا أبا الحسن ، بعد ما مسَّ الحزام الطُّبْيَين » (1) .
فقدم الإمام عليه السلام بيت المال ، وكسر الباب وأعطى الناس ، فانصرفوا عن طلحة حتى بقي وحده! فسُرَّ عُثمان بذلك ودخلت عليه الروايا بالماء.
ونقل الطبري وابن الأثير في تاريخيهما (2) ، قول عُثمان بشأن طلحة : « هذا ما أمر به طلحة بن عبدالله ، اللَّهمَّ اكفني طلحة ، فإنَّه حمل عليَّ هؤلاء وألَّبهم عليَّ ، والله إنِّي لأرجو أن يكون منها صفراً ، وإنَّ يُسفك دمه! إنَّه انتهك منِّي ما لا يحلُّ له! ».
أمَّا المصريون الذين كلَّمهم عليٌّ عليه السلام ورجعوا ، فبينما هم في بعض الطريق رأوا راكباً أمره مريب ، فأخذوه وفتَّشوه ، فإذا هو غلام عُثمان يحمل كتاباً بختم عُثمان الى عبدالله بن سعد أن يفعل بهم ويفعل! وكان مروان هو الذي زوَّر هذا الكتاب (3) .
فرجعوا وشدَّدوا الحصار على عُثمان ، بعد أن خيَّروه بين ثلاث : أن
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 56. وقوله « مسّ الحزام الطُّبْيَين » كناية عن المبالغة في تجاوز حدّ الشرّ والأذى ، لأن الحزام إذا بلغ الطبيين فقد انتهى إلى أبعد غاياته. فالطُّبي حلمة الضرع | لسان العرب ( طبي ).
2) تاريخ الطبري : 4 : 379 ، الكامل في التاريخ 3 : 167.
3) انظر : الخلفاء الراشدون من تاريخ الاسلام للذهبي : 458.
--------------------------------------------------------------------------------

( 178 )

يخلع عمَّاله الذين شكتهم الناس ، أو يخلع نفسه ، أو يقتلوه!
وكأنَّه اختار لنفسه القتل ، حيث قال : « ما كنت لأخلع سربالاً سربلنيه الله عزَّ وجلَّ ».


رد مع اقتباس
 
قديم 07-21-2007, 11:13 AM   رقم المشاركة : 38

معلومات العضو

حيدريه
عضو في القمة
 
الصورة الرمزية حيدريه
 

 

إحصائيات العضو







 

الحالة

حيدريه غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الرَّحِيِمِ
الَلَّهٌمَّ صَلَِ عَلَىَ مٌحَمَّدْ وَآلِ مُحّمَّدْ وعَجِّلْ فَرَجَهُمْ
جهد تشكر عليه مولانا وفقك الله دنيا وآخره
موفق ببركة فاطمة وعلي سلام الله عليهما

خادمة أهل البيت
حيدرية


التوقيع



لـــبيك ياحـــــــسين

حيدرية النهج فاطمية الخُطى

برنامج قضاء الصلوات مافي ذمتكم
http://www.alawale.com/vb/showthread...299#post268299

رد مع اقتباس
 
قديم 08-03-2007, 09:40 AM   رقم المشاركة : 39

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حيدريه مشاهدة المشاركة
بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الرَّحِيِمِ
الَلَّهٌمَّ صَلَِ عَلَىَ مٌحَمَّدْ وَآلِ مُحّمَّدْ وعَجِّلْ فَرَجَهُمْ
جهد تشكر عليه مولانا وفقك الله دنيا وآخره
موفق ببركة فاطمة وعلي سلام الله عليهما

خادمة أهل البيت
حيدرية
-----------
اللهم صل على محمد و ال محمد
مرور كريم لاخت كريمه
تحياتي و احترامي
ابراهيم علي عوالي العاملي


رد مع اقتباس
 
قديم 08-03-2007, 09:42 AM   رقم المشاركة : 40

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 


الباب الثالث
خلافة أمير المؤمنين عليه السلام
الفصل الأول : تولِّي الخلافة وسياسته في الإصلاح :
قتل عُثمان ، ولم يكن ثمة فرصة لتعيين من يقوم بعده بالخلافة ، فلا سقيفة ولا شورى! فكان من حقِّ الجماهير ، ولأوَّل مرَّة في تأريخها ، أن تطلق صوتها وترجع إلى رشدها.
فنهضت الجماهير عطشى تتسابق سباق الإبل إلى الماء ، جاءوا دار الإمام عليٍّ عليه السلام حيث اعتزل قبل هلاك عُثمان ، ولم يخرج من بيته ، يطالبون أن يخرج إليهم ليبايعوه..
حتى وصف أمير المؤمنين عليه السلام هذا السيل العارم وإصرارهم على البيعة بقوله : « فما راعني من الناس الا وهم رسلٌ إلي كعُرف الضبع ، يسألونني أن أُبايعهم ، وانثالوا عليَّ حتى لقد وُطئ الحسنان ، وشُقَّ عطفاي ».
ومضى يصف في خطبته هذه موقفه من الخلافة : « أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ولزوم الحجَّة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على أولياء الأمر الا يقرُّوا على كظَّة ظالم أو سغب مظلومٍ ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوَّلها ، ولألفوا دنياهم أزهد عندي من عفطة عنزٍ » (1) .
وتمَّت بيعته في الخلافة في يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذي
____________
1) مقاطع من خطبته الشقشقية.

--------------------------------------------------------------------------------

( 180 )

الحجَّة عام 35هـ ، وقال عليه السلام يصف ذلك الأمر : « وبسطتهم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، ثُمَّ تداككتم عليَّ تداكَّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها ، حتى انقطعت النعل وسقط الرداء ووُطئ الضعيف.. » (1) .
وعن أبي ثور ـ كما جاء في ( الإمامة والسياسة ) ـ أنَّه قال : « لمَّا كانت البيعة بعد مصرع عثمان خرجت في اثر عليٍّ عليه السلام والناس حوله يبايعونه ، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن ، فألجأوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه ، فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراع الإمام ، تختلف أيديهم على يده ، ثُمَّ أقبلوا به إلى المسجد الشريف ، فكان أوَّل من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه بيده ، وكانت أصابعه شلاء ، فتطيَّر منها عليٌّ عليه السلام وقال : « ما أخلقها أن تنكث » ، ثُمَّ بايعه الزبير وأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وجميع من في المدينة من المسلمين » (2) .
بهذه اللهفة تمَّت أوَّل بيعة على صعيد واسع ، وصعد الخليفة الأول الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر الشريف بقبول الناس ورضاهم ، لكنَّ الإمام عليَّاً عليه السلام لم يكن من أصحاب السلطة.. فلم يقبل بالخلافة الا بعد أن رأى أنْ لا مفرَّ من ذلك ، وأنَّ مصلحة الإسلام والمسلمين تقتضي أن يمدَّ يده لتختلف عليه أيدي الناس المبايعة..
في هذا الجو المشحون بالفتن والحوادث بعد مقتل الخليفة وما خلَّف قتله من آثار ـ سنمرُّ عليها لاحقاً ـ في هذه الأجواء تمَّت البيعة للإمام عليه السلام ،
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 229.
2) الإمامة والسياسة1 : 50 ، وانظر : الكامل في التاريخ3 : 81 ـ احداث سنة 35 ، البداية والنهاية 7 : 227.

--------------------------------------------------------------------------------

( 181 )

فقال ابن عبدالبر : « بويع لعليٍّ رضي الله عنه بالخلافة يوم قُتل عُثمان ، فاجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار ، وتخلَّف عن بيعته نفرٌ منهم ، فلم يهجهم ولم يُكرههم.. » (1).
وكان ممَّن تخلَّف عن بيعته يوم ذاك : حسَّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وعبدالله بن عمر ، ومعاوية ومن معه في جماعة أهل الشام وآخرون (2) ، وعائشة بنت أبي بكر ، زوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث وقفت من الإمام عليٍّ أشدَّ المواقف العدائية التي سنقف عليها لاحقاً.
على أي حال قد تمَّت البيعة المثالية ، التي لم يشهد التأريخ مثلها على جوانب صفحاته ، بيعة ليس لها نظيرٌ قطُّ ، اندفع كلُّ الناس يتسابقون أيُّهم يحوز الفضل قبل صاحبه.. ولم يفد معهم كلام ولا حجَّة ، فكانوا مصرِّين على بيعته حتى « وبلغ من سرور الناس بيعتهم إيَّاي أن ابتهج بها الصغير ، وهَدَجَ إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب.. » (3) لا يرتضون له بديلاً حتى وإن أعلمهم بحقيقة الأمر وسياسته التي قد لا تُرضي الجمهور!
قد وضعهم أمام السياسة الواضحة ؛ إذ قال لهم : « دعوني والتمسوا غيري ، فإنَّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول.. وإنَّ الآفاق قد أغامت ، والمحجَّة قد تنكَّرت.. ».
____________
1) تهذيب الكمال 13 : 304.
2) أنظر : الكامل في التاريخ 3 : 82 حيث ذكر عشرة أشخاصٍ تخلفوا عن بيعة الإمام.
3) نهج البلاغة ، الخطبة : 229.

--------------------------------------------------------------------------------

( 182 )

وأضاف قائلاً : « واعلموا أنِّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب » (1) .
فاستجاب الناس طائعين إلى عرض أبواب السياسة التي سينتهجها ، ووجد المسلمون أنفسهم أمام واقعٍ جديد وأحداث جديدة لا عهد لهم بها من قبل.
ذكر الشيخ المفيد خبراً عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، قال : « جمع أمير المؤمنين عليه السلام الناس للبيعة ، فجاء عبدالرحمن بن ملجم المرادي ـ لعنه الله ـ فردَّه مرَّتين أو ثلاثاً ثُمَّ بايعه ، وقال عند بيعته له : « ما يحبس أشقاها! فوالذي نفسي بيده لتُخضبن هذه من هذا » ووضع يده على لحيته ورأسه عليه السلام ، فلمَّا أدبر ابن ملجم عنه منصرفاً قال عليه السلام متمثِّلاً :


« أشدد حيازيمك للمــوت * فــإنَّ المـوت لاقيــك
ولا تجــزع من المـوت * إذا حــلَّ بـواديـــك
كمـا أضحكـك الدهــر * كذاك الدهـر يبكيك » » (2)

سياسته الإصلاحية :
لمَّا آلت إليه خلافة المسلمين انصرف منذ اليوم الأوَّل لمشروع الإصلاح ، إصلاح ما نخره المتقدمون عليه وعُثمان وعمَّاله على صعيد الاتِّجاه السياسي والاجتماعي ، وحتى الثقافي ، في دولة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن جلائل خطبه ومشهوراتها ، تلك التي وصف فيها حال الأُمَّة ،
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 92.
2) إرشاد المفيد 1 : 11. ونقله العلأَمة المجلسي في البحار 42 : 192|6.

--------------------------------------------------------------------------------

( 183 )

حالهم الجديدة ، فيصفها في يوم بيعته : « .. ألا وإنَّ بليَّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم والذي بعثه بالحقِّ لتُبَلْبَلُنَّ بلبلةً ولتُغربلُنَّ غربلةً ، ولَتُساطُنَّ سوط القدر ، حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم ، وليسبقَنَّ سابقون كانوا قصَّروا ، وليُقصِّرنَّ سبَّاقون كانوا سبقوا..
والله ما كتمتُ وشمةً ، ولا كذبت كذبةً ، ولقد نُبِّئتُ بهذا المقام وهذا اليوم... حقٌّ وباطل ، ولكلٍّ أهل ، فلئن أمِرَ الباطل لقديماً فعل! ولئن قلَّ الحقُّ ، فلربَّما ولعلَّ! ولقلَّما أدبر شيءٌ فأقبل » (1) ! كما أنبأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومرَّةً أُخرى يضع النقاط الأساسية لواجبات الخلافة الجديدة : « اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنَّه لم يكن الذي كان منَّا منافسةً في سلطان ، ولا التماس شيءٍ من الحطام ، ولكن لنردَّ المعالم من دينك ، ونُظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتُقام المعطَّلة من حدودك » (2) .
ردُّ المعالم الضائعة المغيَّبة من الدنيا ، وردُّ الحقِّ المنتهك من عباد الله ، وإقامة الحدود المعطَّلة ، كأنجح وأعدل سياسة في الحكم الإسلامي ، هذه هي أهمُّ أوجه السياسة في الخلافة الجديدة.
لأوَّل مرَّة سيُقام العدل ويُركل الظلم في أشدِّ حالات القتال! القتال على التأويل كما قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على التنزيل : « إنَّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن » قال أبو بكر : أنا هو ؟ وقال عمر : أنا هو ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : « لا ، لكنَّه عليٌّ »! (3) .
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 16.
2) نهج البلاغة ، الخطبة : 131.
3) مسند أحمد 3 : 83 ، المستدرك 3 : 123.

--------------------------------------------------------------------------------

( 184 )

هذا هو مشروع الإصلاح ، حسبما اختصره الإمام في خطبته السابقة ، وكان هذا إصلاح الساحة السياسة.
أمَّا التغيير الاجتماعي والديني والثقافي فتجسَّد في بيانه للناس عامَّةً ، وعمَّاله خاصَّةً ، بقوله : « إنَّ الله سبحانه أنزل كتاباً هادياً بيَّن فيه الخير والشرَّ ، فخذوا نهج الخير تهتدوا ، واصدِفوا عن سمت الشرِّ تقصدوا..
الفرائض ، الفرائض! أدُّوها إلى الله ، تؤدِّكم إلى الجنَّة.. » ديناً.
أمَّا على الصعيد الاجتماعي والثقافي فيمكن أن نراه واضحاً في قوله : « إنَّ الله حرَّم حراماً غير مجهول ، وأحلَّ حلالاً غير مدخول ، وفضَّل حُرمة المسلم على الحُرم كلِّها ، وشدَّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها.. ».
ولعمَّاله خاصَّةً قوله : « بادروا أمر العامَّة ، وخاصَّة أحدكم وهو الموت.. » وقوله : « اتَّقوا الله في عباده وبلاده ، فإنَّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم.. » (1) .
بهذا الإخلاص الرفيع والحكمة المتعالية والسياسة الحكيمة ، يضعنا أمام الأمر الواقع ، فقد أعاد عليه السلام إلى الأذهان الدين الحقَّ المنزَّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي تزيَّف في عهود من سبقه!!
أوَّلاً : باشر الإمام في تنفيذ العدل والمساواة بين الرعية..
وثانياً : مراقبة العمَّال والأُمراء. وله كتب عدَّة في هذه الأُمور ، جمعها صاحب نهج البلاغة ، بما يقارب 32 كتاباً ، في الشؤون الإدارية والسياسية
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 167 ، وذكره ابن الأثير في تاريخه 3 : 84 ـ 85.

--------------------------------------------------------------------------------

( 185 )

ووصايا إلى الأمراء والأجناد ، فلا يسعنا الحديث عن كلِّ كتبه هذه!
ثالثاً : القتال على تأويل القرآن!!

خطوات مشروعه الاصلاحي
والآن مع خطواته في مشروع التنفيذ الإصلاحي :
أولاً : إلغاء التمايز الطبقي :
ساد في عهد « عمر » و« عُثمان » تمايز طبقي في توزيع الثروة من بيت المال ، حتى أصبح الناس قسمين ، قسم في عداد الأثرياء وما فوق ذلك ، وآخرون لا يرتفعون عن مستوى الفقر كثيراً! حتى تسبَّبت هذه السياسة الظالمة في استثراء تفاوت طبقي خطير..
فأعلن الإمام عليٌّ عليه السلام إلغاء التمايز الطبقي بكلِّ أسبابه ، وعهد إلى التسوية بين الناس في العطاء ، فالناس عنده سواسية كأسنان المشط ، وانقطعت آمال الطبقة الغنية التي لم تنظر للدنيا الا في منظار مادِّي.
فقال عليه أفضل الصلاة والسلام : « ألا لا يقولنَّ رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا ، فاتَّخذوا العقار وفجَّروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة ، واتَّخذوا الوصائف الروقة ، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً ، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه ، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون ، فينتقمون ذلك ويستنكرون ، ويقولون : حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا! » (1) .
ولمَّا نودي لقبض الحقوق ، قال الإمام عليٌّ عليه السلام لعبيدالله بن أبي رافع
____________
1) شرح النهج لابن أبي الحديد 7 : 37.

--------------------------------------------------------------------------------

( 186 )

ـ كاتبه ـ : « إبدأ بالمهاجرين فناديهم ، وأعطِ كلَّ رجلٍ ممَّن حضر ثلاثة دنانير ، ثُمَّ ثنِّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك ، ومن حضر من الناس كلُّهم الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك »!
وتخلَّف يومذاك رجال منهم : طلحة ، والزبير ، وعبدالله بن عمر ، وسعد بن العاص ، ومروان بن الحكم ، قد عزَّ عليهم أن يكونوا كغيرهم من الموالي والعبيد!
هناك خطب الإمام عليٌّ عليه السلام مرَّةً أُخرى قال فيه : « هذا كتاب الله بين أظهرنا ، وعهد رسول الله وسيرته فينا ، لا يجهل ذلك الا جاهل عانَدَ عن الحقِّ ، منكر ، قال تعالى : ( يَاأيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أتْقَاكُم ) » ثُمَّ صاح بأعلى صوته « ( أطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإن تَوَلَّوا فَإنَّ اللهَ لأ يُحِبُّ الْكَافِرِين )! أتمنُّون على الله ورسوله بإسلامكم ؟! ( بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أنْ هَدَاكُمْ لِلإِِيمَانِ إن كُنتُمْ صَادِقِين ) أنا أبو الحسن ، ألا إنَّ هذه الدنيا التي أصبحتم تمنُّونها وترغبون فيها ، وأصبحت تُغضبكم وترضيكم ، ليست بداركم ولا منزلكم الذي خُلقتم له ، فلا تغرَّنكم فقد حذَّرتكموها..
فأمَّا هذا الفيء فليس لأحدٍ على أحدٍ فيه أثرة ، وقد فرغ الله من قسمته ، فهو مال الله ، وأنتم عباد الله المسلمون.. وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا ، وعهد نبيِّنا بين أظهرنا ، فمن لم يرضَ به فليتولَّ كيف يشاء! فإنَّ العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه » (1) .
____________
1) شرح ابن أبي الحديد7 : 40 ، والآيتان على التوالي من سورة الحجرات 49 : 13 ـ 17.

--------------------------------------------------------------------------------

( 187 )

وقال عليه السلام : « أتأمرونِّي أن أطلب النصر بالجور فيمن وُليِّتُ عليه! والله لاأطور به ما سَمَرَ سَميرٌ (1) ، وما أمَّ نجمٌ في السماء نجماً! لو كان المال لي لسوِّيت بينهم ، فكيف وإنَّما المال مال الله ؟! » (2) .
وكان ذلك أبلغ وأروع خطاب يهزُّ المشاعر ، فهنيئاً لمن عاش في ظل النبوَّة والإمامة الحقَّة!
ثُمَّ بعث أمير المؤمنين عليه السلام الى طلحة والزبير ، يعاتبهما على ما فعلاه من الصدِّ والإكراه ، فقال ـ بعدما ذكَّرهما ببيعتهما له ، وهو كاره ـ : « ما دعاكما بعد إلى ما أرى ؟ ما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟! ».
قالا : أعطيناك بيعتنا ، على أن لا تقضي الأُمور ولا تقطعها دوننا ، وأن تستشيرنا في كلِّ أمرٍ ولا تستبدَّ بذلك علينا.. إنَّك جعلت حقَّنا كحقِّ غيرنا ما قد علمت ، فأنت تقسم القَسْم وتقطع الأمر ، وتُمضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا.
فقال : « فوالله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولكنكم دعوتموني إليها ، وجعلتموني عيها فخفت أن اردّكم فتختلف الأمة ، فلمّا أفضتْ إليَّ نظرتُ إلى كتاب الله وسنّة رسوله فأمضيت ما دّلاني عليه واتبعته ولم احتج في ذلك إلىآرائكما فيه ، ولا رأي غيركما ،ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه ولافي السنّة برهانه ، واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه. وأما القسم والأُسوة ، فإن ذلك أمر لم أحكم فيه باديء بدء ، قد وجدت أنا وأنتما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
____________
1) أي لا اُقاربه هدى الدهر.
2) نهج البلاغة ، الخطبة : 126.

--------------------------------------------------------------------------------

( 188 )

يحكم بذلك ،... أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر ».
ثم قال عليه السلام : « رحم الله امرءاً رأى حقاً فأعان عليه ، ورأى جوراً فردّه ، وكان عوناً للحق على من خالفه » (1).
وكان موقف عليٌّ عليه السلام من أمثال هؤلاء ، هو اتباع لغة القرآن الكريم وسُنَّة الرسول العظيم ، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ، فلم يبدل حكماً ويستبدل بآخر ، غير الذي رآه أنَّه جادَّة الصواب المستقيمة ، وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً!
هذه هي الثورة الاجتماعية التي أحدثها الإمام عليه السلام ، والتي كانت من أشدِّ الصعوبات التي واجهها في ذاك المجتمع الشائب بأدران الآلهة والأوثان! هذه هي التسوية بين الفقراء والمساكين والأغنياء الذين طغوا بالأموال.. وسنرى قريباً نتائج هذه التسوية في خروج الناكثين والقاسطين على الخليفة الحق ، تحت شعارٍ زائفٍ وحجَّةٍ داحضةٍ وهي « دم عُثمان »!
ومن مظاهر العدل والمساواة انتزاع الأموال والثروات التي تصرَّف بها عُثمان ، وكأنَّها ملكٌ له لا للمسلمين ، والتي أغدقها على ذويه وخاصَّته من أزلام بني أُميَّة من هدايا ضخمة والى ما شابه ذلك.
فقام الإمام عليٌّ بانتزاعها منهم ، ليعيدها إلى وضعها الطبيعي ، لينتفع بها الفقراء والمساكين الذين « لاكو الصخر خبزاً »! فقال عليه السلام بهذا الموضع : « والله لو وجدتُه قد تُزوِّج به النساءُ ، ومُلِكَ به الإماءُ لرددته ، فإنَّ في العدل
____________
1) شرح نهج البلاغة 7 : 41 ـ 42.

--------------------------------------------------------------------------------

( 189 )

سَعَة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » (1) .
فما كان من بني أُميَّة ، الذين هالهم هذا العدل ، الا أن يحرِّض بعضهم البعض الآخر ، فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان يقول : « ما كنت صانعاً فاصنع! إذ قَشَرك ابن أبي طالب كلَّ مالٍ تملكه ، كما تُقشر من العصا لحاها »!
حتى تمخَّضت هذه الأحداث عن معركتين الجمل وصفِّين ، حيث لم يطيقوا عدل الإسلام الذي طبَّقه عليهم ابنُ أبي طالب عليه السلام !
وفي أصحاب الحزبين جاء قوله عليه السلام : « فلمَّا نهضتُ بالأمر نكثت طائفة ومرقت أُخرى وقسط آخرون ، كأنَّهم لم يسمعوا كلام الله تعالى يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لأ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَرْضِ وَلأ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين ) (2) ».
ثانياً : سياسته في الحكم ، حيث وضع دستوراً إسلامياً شرعياً تسير عليه السياسة الجديدة ، فخطب الملأ قائلاً :
« قد جعل الله سبحانه لي عليكم حقاً بولاية أمركم ، ولكم عليَّ من الحق مثل الذي عليكم..
جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً ، افترضها لبعض الناس على بعض ، فجعلها تتكافأ في وجوهها..
وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق : حقّ الوالي على الرعية ،
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 15.
2) سورة القصص : 83.

--------------------------------------------------------------------------------

( 190 )


رد مع اقتباس
 
قديم 08-03-2007, 01:25 PM   رقم المشاركة : 41

معلومات العضو

نبيل الاميني
عضو فعال

إحصائيات العضو







 

الحالة

نبيل الاميني غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

اللهم صلي على فاطمةو ابيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها وعجل فرجهم وفرجنا بهم ياكريم
احسنتم مولانا بارك الله فيك وجعلها الله في ميزان اعمالكم ووفقكم بحق امير المؤمنين علي بن ابي طالب


رد مع اقتباس
 
قديم 08-04-2007, 08:15 AM   رقم المشاركة : 42

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

اللهم صل على محمد و ال محمد

مرور كريم لاخ كريم

تحياتي و احترامي

ابراهيم علي عوالي العاملي


رد مع اقتباس
 
قديم 08-04-2007, 08:17 AM   رقم المشاركة : 43

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

--------------------------------------------------------------------------------

( 191 )

الحق والعدل ، ويأخذ مبداً التكافل الاجتماعي طريقه إلى الواقع.. إنها مباديء السياسة النموذجية التي تتوخى صناعة المجتمع النموذجي.
ثالثاً : استبدال الولاة :
انتخب الإمام عليٌّ عليه السلام رجالاً من الذين أُبعدوا في عهد سابقيه دون أدنى سبب ، جعلهم مكان الولاة الذين ضجَّت الأُمَّة من سياستهم المنحرفة ، كالوليد بن أبي معيط ـ الذي سمَّاه القرآن فاسقاً ـ وعبدالله بن أبي سرح ، الذي انتفضت عليه مصر ، وعبدالله بن عامر ، ومعاوية الرجل المتجبِّر!
وأمَّا البدائل ، فهم : قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ، والأنصاريان الجليلان : سهل بن حنيف وعُثمان بن حنيف ، بدائل عن ابن أبي سرح وابن عامر ومعاوية ، على مصر والبصرة والشام (1) .
وجعل عبيدالله بن عبَّاس على اليمن ، وقثم بن عبَّاس على مكَّة.
لكنَّ عقبة استبدال معاوية كانت هي الأشدُّ ، حيث تربَّع على العرش ، يذبح شيعة الإمام عليٍّ عليه السلام ويستنُّ السنن لأهل الشام ، الذين لا يعرفون من الإسلام الا ما يعرِّفهم به معاوية ، فعمل على أن لا يبقي في الشام صحابياً ، فأخرج منها أبا ذرٍّ ، وعبادة بن الصامت وغيرهم ، لتخلو له أرض الشام فلا يعرفوا غيره!
وجاءت وصايا الإمام عليه السلام إلى الولاة ، فكتب يقول لأحدهم : « واعلم أنَّ الرعيَّة طبقات ، لا يصلح بعضها الا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض ،
____________
1) أنظر : الأخبار الطوال : 141.

--------------------------------------------------------------------------------

( 192 )

فمنها جنود الله ، ومنها كُتَّاب العامَّة والخاصَّة ، ومنها قضاة العدل ، ومنها عمَّال الإنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمَّة ومسلمة الناس ، ومنها التجَّار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة.
وكلٌّ قد سمَّى الله سهمه ، ووضع على حدِّه فريضته في كتابه أو سُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم عهداً من عندنا محفوظاً :
فالجنود بإذن الله ، حصون الرعيَّة ، وزين الولاة ، وعزُّ الدين ، وسُبل الأمن ، وليست تقوم الرعيَّة الا بهم ، ثُمَّ لا قوام للجنود الا بما يُخرج الله لهم من الخراج..
ثُمَّ لا قِوام لهذين الصنفين الا بالصنف الثالث من القضاة والعمَّال والكتَّاب ، لِما يُحكِمونَ من المعاقِد ، ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواصِّ الأُمور وعوامِّها.
ولا قوام لهم جميعاً الا بالتجَّار وذوي الصناعات..
ثُمَّ الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحقُّ رفدهم ومعونتهم ، وفي الله لكُلّ سَعة ، ولكلٍّ على الوالي حقٌّ بقدر ما يُصلحه.. » (1) .
بلا شكٍّ لو أنَّ الإمام عليه السلام قد تولَّى خلافة المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة؛ لظهر الإسلام للعالم بوجهه الصحيح ، ولم تكن أُمور الغدر والجور والتزوير والفتن ، وإلى ما شابه ذلك من الأُمور التي نعيشها اليوم ، وتعيش فينا إلى آخر يوم..
____________
1) نهج البلاغة ، الكتاب 53 ، بتصرف.

--------------------------------------------------------------------------------

( 193 )

فقد ترك « الحكَّام » غير الشرعيين صوراً تحفل بالآلام والمخازي ، شوَّهت الإسلام في أذهان الذين لا يعرفون عنه شيئاً الا اسمه.. لكن الذي وقع هو أنَّ خلافة الإمام عليه السلام قصيرة جدَّاً ، بسبب تلك الأُمور التي أحاطت به ، ولم تترك له مجال يمكِّنه من الإصلاح الشامل ، وبناء دولة إسلامية ذات أُسس رصينة ، كما أراد ذلك الله ورسوله..
لم يكن الإمام عليَّاً عليه السلام طالب ملك.. فهو لا يرى السلطة الا وسيلةً للحقِّ والعدالة.. لذلك نراه يصرُّ على عزل معاوية؛ لأنَّ إبقاءه ولو يوم واحد يعني إقرار الظلم والجور ، وأجاب من أشار عليه بترك معاوية وشأنه بقوله : ( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً )! فهو لا يرى معاوية الا ضالاً مضلأًَ ، لذلك كرَّس كلَّ قوَّاته لاجتياح الظلم من أرض الشام ، كما أجتاحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أرض الحجاز!
وقال الأستاذ عبدالفتاح ، حول سياسة عليٍّ عليه السلام من أنصار عُثمان وولاته : « إنَّ الناظر إلى سياسة عليٍّ عليه السلام حيال ولاة عُثمان ، ليعلم مدى صوابه حين أبى الا خلعهم وتولية سواهم ، ممَّن يؤمنون بمبادئه ومثله ، ويعلم أيضاً أنَّه كان نافذ البصيرة مؤمناً باستجابة البلاد كلِّها له ، لأنَّه لم يعمل الا ما أملاه عليه شعور أهل الأمصار نحو أولئك الولاة ، وها هو الزمن قد أثبت فراسته فجاءته الطاعة من كلِّ الأقاليم.
أمَّا الشام فلها وحدها شأن تنفرد به في قبضة رجل مفتون بالسلطان إقراره عليها وعدم إقراره سواء بسواء لن يسفر الا عن تمرُّد؛ لأنَّه لا يرضى بغير احتلاب السلطان الذي وقع في كفِّ غريمه القديم ».
ومضى يقول : « ولعلَّه لو أثبته الإمام في حكم الشام ، لوسعه أن يبدو


--------------------------------------------------------------------------------

( 194 )

في أنظار الجماهير أقوى منه في حال العزل ، لأنَّه لا يستطيع أن يقول للناس : إنَّه يأبى البيعة لمن ولأَه ، ولا يعتبرها الا ثمناً يشتري أمير المؤمنين صمته عن اتهامه بمقتل عُثمان » (1) .
الفصل الثاني : مسير الإمام إلى البصرة ووقعة الجمل :
بينما كان الإمام عليٌّ يجهِّز جيشاً إلى الشام بقيادته؛ لكسح معاوية وبطانته الفاسدة ، أتاه الخبر عن طلحة والزبير وعائشة من مكَّة بما عزموا عليه ، فاستعدَّ لحرب الناكثين « وسار عليٌّ من المدينة في تعبئته التي تعبَّاها لأهل الشام آخر شهر ربيع الآخر سنة ستٍّ وثلاثين » (2) .
رسم الإمام في سياسته الجديدة خطوط الحكم العريضة ، وكان وسامها : « لا فضل لعربي على أعجمي » ، أثارت هذه السياسة غضب المتمرِّدين على الحكم ، وكان منهم ما كان من الخروج عليه ، فلمَّا أدرك طلحة والزبير برفض الإمام أن يجعل لهما ميزة على غيرهما ، فلا ينالان الا ما ينال المسكين والفقير بعطاء متساوٍ..
بعد أن أدركا كلَّ هذا سكتا على مضضٍ ، وأخذا يعملان للثورة ضدَّه ، ضدَّ الحكم الجديد ، فانضمَّا إلى الحزب الأُموي..
لقد كان قرار التسوية « هو السبب الخفي والحقيقي لخروج من خرج على عليٍّ ، ولنكوث من نكث بيعته ، وإن توارى ذلك تحت دعوى مفتعلة اسمها دم عُثمان » (3)
____________
1) بالواسطة ، عن سيرة الأئمة الأثني عشر : 398.
2) الكامل في التاريخ 3 : 114.
3) الزيدية| د. أحمد صبحي : 44 ، مؤسَّسة الزهراء للإعلام العربي ـ 1984م.
--------------------------------------------------------------------------------

( 195 )

واستغلَّ هذا الجانب سخط عائشة على الإمام عليٍّ عليه السلام ومواقفها العدائية منه.. فلمَّا كانت بمكَّة ، وقد خرجت إليها قبل أن يُقتل عُثمان ، فلمَّا كانت في بعض طريقها راجعةً إلى المدينة لقيها ابن أمِّ كلاب ، فقالت له : ما فعل عُثمان ؟
قال : قُتل!
قالت : بُعداً وسحقاً ، فمن بايع الناس ؟
قال : طلحة.
قالت : إيهاً ذو الإصبع.
ثمَّ لقيها آخر ، فقالت : ما فعل الناس ؟
قال : بايعوا عليَّاً.
قالت : والله ما كنت أُبالي أن تقع هذه على هذه ، ثُمَّ رجعت إلى مكَّة (1).
فانصرفت إلى مكَّة وهي تقول : قُتل والله عُثمان مظلوماً ، والله لأطلبنَّ بدمه!
قيل لها : ولِمَ ؟ والله إنَّ أوَّل من أمال حَرْفَه لأنتِ ، ولقد كنتِ تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر.
قالت : إنَّهم استتابوه ، ثُمَّ قتلوه ، وقد قلتُ وقالوا ، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوَّل.
فقال لها ابن أمِّ كلاب :

____________
1) الامامة والسياسة 1 : 52 ، شرح ابن أبي الحديد 6 : 215 ـ 216 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 180 ، كتاب الدلائل : 97.

--------------------------------------------------------------------------------

( 196 )


فمنـكِ البداءُ ومنكِ الغِيـرْ * ومنكِ الريـاحُ ومنكِ المطرْ
وأنتِ أمرتِ بقتل الإمــام * وقلتِ لنــا : إنَّه قد كفـرْ
فَهَبْنا أطعنــاك في قتلِـه * وقاتِلُـه عندنــا مَنْ أمـرْ
ولم يسقطِ السقفُ من فوقنا * ولم ينكسف شمسنا والقمـرْ
وقد بايع النــاس ذا تُدرءٍ * يزيلُ الشبا ويُقيم الصعــرْ
ويلبسُ للحربِ أثوابها * وما مَنْ وفى مثلُ من قد غدرْ (1)

وقبل أن يخرج موكب عائشة ويدلو بدلوه ، كان الإمام عليه السلام يقول : « أمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين » (2) ، فما مضت الأيَّام حتى قاتلهم ، وهذه من جملة الآيات الدالَّة عليه ، وقوله عليه السلام لطلحة والزبير لمَّا استأذناه في الخروج إلى العمرة ، قال : « والله والله ما تريدان العمرة وإنَّما تريدان البصرة » (3)!
وكان من نتائج هذا التمرُّد ـ كما سنأتي عليه ـ معركة البصرة ، أوَّل نكث لبيعة الإمام عليه السلام التي انتهت بفشل موكب عائشة وقتل طلحة والزبير وعشرات الألوف من المسلمين!
تهيَّأت عائشة للخروج إلى البصرة ، وأتت أُمُّ سلمة فكلَّمتها في الخروج معهم ، فردَّت عليها أُمُّ سلمة قائلةً :
أفأُذكِّرك ؟
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 100 ، الفتوح 1 : 434 ، تاريخ الطبري 5 : 172 ، الإمامة والسياسة 1 : 52.
2) إعلام الورى 1 : 336 ، المستدرك 3 : 150 | 4674 و4675 ، أسد الغابة 4 : 124 ، البداية والنهاية 7 : 362.
3) إعلام الورى 1 : 337 ـ 338.

--------------------------------------------------------------------------------

( 197 )

قالت : نعم.
قالت أُمُّ سلمة : أتذكرين إذ أقبل رسول الله ونحن معه ، فخلا بعليٍّ يناجيه ، فأطال فأردتِ أن تهجمي عليهما ، فنهيتك فعصيتيني ، فهجمتِ عليهما ، فما لبثت أن رجعتِ باكية ، فقلتُ : ما شأنك ؟ فقلت : إنِّي هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلتُ لعليٍّ : ليس لي من رسول الله الا يوم من تسعة أيَّام ، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليَّ وهو غضبان محمرُّ الوجه ، فقال : « ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس الا وهو خارج من الإيمان » ؟
قالت عائشة : نعم أذكر (1) .
لكن لم يردعها كلام ولا رادع ، فلم تنثنِ عن عزمها ، ولم ترجع إلى عقلها ، فتجهَّزت ومن معها إلى البصرة لتؤلِّب الناس على الإمام عليٍّ عليه السلام فكانت أحداث معركة الجمل.
تحرَّك موكب الناكثين بقيادة عائشة وطلحة والزبير نحو البصرة ، وقد حفَّ به الحاقدون على الإمام عليٍّ عليه السلام تحت شعار : « الثأر لعثمان » ، فلمَّا بلغوا « ذات عرق » لقيهم سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وأصحابه ، فقال لهم : أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم ؟ ـ يعني عائشة وطلحة والزبير ـ اقتلوهم ثُمَّ ارجعوا إلى منازلكم.
____________
1) أنظر : ابن أبي الحديد 6 : 217 ـ 218.

--------------------------------------------------------------------------------

( 198 )

فقالوا : نسير لعلَّنا نقتل قتلة عُثمان جميعاً (1) .
ومرَّ القوم ليلاً بماء يُقال له : الحوأب ، فنبحتهم كلابه ، فقالت عائشة : ما هذا الماء ؟
قال بعضهم : ماء الحوأب.
فقالت : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ، هذا الماء الذي قال لي رسول الله : « لا تكوني التي تنبحكِ كلاب الحوأب ». ثمَّ صرخت بهم : ردُّوني ردُّوني!!
فأتاها القوم بأربعين رجلاً ، فأقسموا بالله أنَّه ليس بماء الحوأب! وأتى عبدالله بن الزبير ، فحلف لها بالله لقد خلَّفتهِ أوَّل الليل ، وأتاها ببيِّنة زور من الأعراب فشهدوا بذلك (2) . فكان ذلك أوَّل شهادة زور أُقيمت في الإسلام.
وبلغوا البصرة ، وعامل الإمام عليها الصحابي عُثمان بن حُنيف الأنصاري ، فمنعهم من الدخول ، وقاتلهم ، ثُمَّ توادعوا الا يحدثوا حدثاً حتى يقدم عليٌّ عليه السلام ، ثُمَّ كانت ليلة ذات ريح وظلمة ، فأقبل أصحاب طلحة فقتلوا حرس عُثمان بن حنيف ، ودخلوا عليه ، فنتفوا لحيته وجفون عينيه ومثَّلوا به ، وقالوا : لولا العهد لقتلناك ، وأخذوا بيت المال (3) .
____________
1) الإمامة والسياسة 1 : 63 ، وانظر الكامل في التاريخ 2 : 102.
2) أنظر قصَّة ماء الحوأب في : تاريخ اليعقوبي 2 : 181 ، ابن أبي الحديد 6 : 225 ، تاريخ ابن الأثير 2 : 103 ، مسند أحمد 6 : 52 ، 97 ، المستدرك 3 : 119 ـ 120 ، كنز العمَّال 11 ح|31667.
3) أنظر : تاريخ اليعقوبي 2 : 181 ، تاريخ ابن الأثير 2 : 108 ، الإمامة والسياسة : 69.
--------------------------------------------------------------------------------

( 199 )

وأمّا الإمام علي فلما بلغه نبأ مسيرهم إلى البصرة ، حمد الله وأثنى عليه ، ثُمَّ قال : « قد سارت عائشة وطلحة والزبير ، كلُّ واحدٍ منهما يدَّعي الخلافة دون صاحبه ، فلا يدَّعي طلحة الخلافة الا أنَّه ابن عمِّ عائشة ، ولا يدَّعيها الزبير الا أنَّه صهر أبيها. والله لئن ظفرا بما يريدان ليضربنَّ الزبير عنق طلحة ، وليضربنَّ طلحة عنق الزبير ، يُنازع هذا على الملك هذا.
وقد ـ والله ـ علمتُ أنَّها الراكبة الجمل ، لا تحلُّ عقدةً ولا تسيرُ عقبةً ، ولا تنزلُ منزلاً الا إلى معصيةٍ ، حتى تورد نفسها ومن معها مورداً ، يُقتل ثلثهم ويهرب ثلثهم ويرجعُ ثلثهم.
والله إنَّ طلحة والزبير ليعلمان أنَّهما مُخطئان وما يحملان ، ولربَّما عالم قتله جهلُهُ وعلمه معه لا ينفعه. والله لينبحها كلاب الحوأب ، فهل يعتبر معتبرٌ أو يتفكَّر متفكِّرٌ »!
ثمَّ قال : « قد قامت الفئة الباغية فأين المحسنون » ؟ (1)
ثمَّ دعا على طلحة والزبير أمام مسلمي الكوفة ، فقال : « قد علمتم ـ معاشر المسلمين ـ أنَّ طلحة والزبير بايعاني طائعين راغبين ، ثُمَّ استأذناني في العمرة فأذنتُ لهما ، فسارا إلى البصرة فقتلا المسلمين وفعلا المنكر.
اللَّهمَّ إنَّهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألَّبا الناس عليَّ ، فاحلُل ماعقدا ، ولا تُحكمْ ما أبرما ، وأرهما المساءة فيما عملا » (2) .
____________
1) إرشاد المفيد 1 : 246 ـ 247.
2) إرشاد المفيد 1 : 250 ، الطبعة الحجرية.


رد مع اقتباس
 
قديم 08-10-2007, 06:34 PM   رقم المشاركة : 44

معلومات العضو

ibrahim aly awaly
عضو في القمة

إحصائيات العضو







 

الحالة

ibrahim aly awaly غير متواجد حالياً

 


 

افتراضي


 

معركة الجمل :
سُمِّيت بذلك لأنَّ « قائدة الجيش » فضَّلت ركوب الجمل على البغال والحمير ، وكانت الواقعة في 4 كانون الأوَّل سنة 646م (1) ، يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 36هـ (2) .
وكانت الوقعة خارج البصرة ، عند قصر عبيدالله بن زياد (3) وكان عسكر الإمام عشرين ألفاً ، وعسكر عائشة ثلاثين ألفاً (4) .
ولمَّا التقى الجمعان قال الإمام لأصحابه : « لا تبدأوا القوم بقتال ، وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح ، وإذا هزمتموهم فلا تتَّبعوا مدبراً ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثِّلوا بقتيل ، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ، ولا تدخلوا داراً ، ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً.. ولا تهيجوا امرأةً بأذى وإن شتمن أعراضكم ، وسَبَبنَ أمراءكم وصلحاءكم » (5) .
وقيل : إنَّ أوَّل قتيل كان يومئذٍ مسلم الجُهني ، أمره عليٌّ عليه السلام فحمل مصحفاً ، فطاف به على القوم يدعوهم إلى كتاب الله ، فقُتل (6) .
ثمَّ أخذ أصحاب الجمل يرمون عسكر الإمام بالنبال ، حتى قُتل منهم جماعة ، فقال أصحاب الإمام : عقرتنا سهامهم ، وهذه القتلى بين يديك..
____________
1) فضائل الإمام عليٍّ : 128 ، عن بروكلمن في ( تاريخ الشعوب الإسلامية ).
2) فضائل الإمام عليٍّ : 128 ، عن الواقدي والمسعودي.
3) سير أعلام النبلاء ( سيرة الخلفاء الراشدين ) : 254.
4) الكامل في التاريخ 3 : 241 ـ 242.
5) الكامل في التاريخ 3 : 242 ـ 243.
6) سير أعلام النبلاء ( سيرة الخلفاء الراشدين ) : 259.
--------------------------------------------------------------------------------

( 201 )

عند ذلك استرجع الإمام وقال : « اللَّهمَّ اشهد » ، ثُمَّ لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقلَّد سيفه ورفع راية رسول الله السوداء المسمَّاة بالعقاب؛ فدفعها إلى ولده محمَّد بن الحنفية.
وتقابل الفريقان للقتال ، فخرج الزبير ، وخرج طلحة بين الصفَّين ، فخرج إليهما عليٌّ ، حتى اختلفت أعناق دوابِّهم ، فقال عليٌّ عليه السلام : « لعمري قد أعددتما سلاحاً وخيلاً ورجالاً إن كنتما أعددتما عند الله عذراً ، فاتَّقيا الله ، ولا تكونا ( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنكَاثاً ) (1) .
ألم أكن أخاكما في دينكما ، تُحرِّمان دمي ، وأُحرِّم دمكما ، فهل من حدثٍ أحلَّ لكما دمي » ؟!
قال طلحة : ألَّبت على عُثمان.
قال عليٌّ : « ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقّ ) ، يا طلحة ، تطلب بدم عُثمان ؟! فلعن الله قتلة عُثمان ، يا طلحة ، أجئت بِعرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقاتل بها ، وخبَّأتَ عرسك في البيت! أما بايعتني ؟! ».
قال : بايعتك والسيف على عنقي!
فقال عليٌّ عليه السلام للزبير : « يا زبير ، ما أخرجك ؟ قد كنَّا نعدُّك من بني عبدالمطَّلب حتى بلغ ابنك ابن السوء (2) ، ففرَّق بيننا » وذكَّره أشياء ، فقال : « أتذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني غنم ، فنظر إليَّ ، فضحك ، وضحكت إليه ، فقلتَ له : لا يدع ابن أبي طالب زهوه ، فقال لك : ليس به
____________
1) سورة النحل : 92.
2) يريد ابنه عبدالله.
--------------------------------------------------------------------------------

( 202 )

زهوٌ ، لتقاتلنَّه وأنت ظالم له ؟ ».
قال : اللَّهمَّ نعم ، ولو ذكرت ما سرتُ مسيري هذا ، والله لا أُقاتلك أبداً.
فانصرف الزبير إلى عائشة ، فقال لها : ما كنتُ في موطن منذ عقلت الا وأنا أعرف فيه أمري ، غير موطني هذا.
قالت : فما تريد أن تصنع ؟
قال : أُريد أن أدعهم وأذهب.
قال له ابنه عبدالله : جمعت بين هذين الغارين ، حتى إذا حدَّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب ؟! لكنَّك خشيت رايات ابن أبي طالب ، وعلمت أنَّها تحملها فتيةٌ أنجاد ، وأنَّ تحتها الموت الأحمر ، فجبنت!
فاحفظه ـ أي : أغضبه ـ ذلك ، وقال : إنِّي حلفتُ الا أُقاتله.
قال : كفِّر عن يمينك ، وقاتله.
فأعتق غلامه ( مكحولاً ) ، وقيل : سرجيس.
فقال عبدالرحمن بن سلمان التميميُّ :


لم أرَ كاليوم أخا إخوانِ * أعْجَبَ من مُكَفِّرِ الايمانِ
بالعتق في معصية الرحمن (1)

وقيل : إنَّه عاد ولم يقاتل الإمام عليه السلام (2) .
واحتدمت المعركة بين الفريقين ، وتقاتلوا قتالاً لم يشهد تاريخ البصرة
____________
1) تاريخ الطبري 5 : 200 ، الكامل في التاريخ 3 : 239 ، مستدرك الحاكم 3 : 366 ـ 367.
2) الإمامة والسياسة : 73.

--------------------------------------------------------------------------------

( 203 )

أشدَّ منه ، ثُمَّ إنَّ مروان بن الحكم رمى طلحة بسهمٍ وهو يقاتل معه ضدَّ عليٍّ عليه السلام ! يرميه فيرديه ويقول : لا أطلب بثأري بعد اليوم (1) .
واستمرَّ الحال في أشدِّ صراعٍ ، لم يرَ سوى الغبرة وتناثر الرؤوس والأيدي ، فتتهاوى أجساد المسلمين على الأرض.
ولمَّا رأى الإمام هذا الموقف الرهيب من كلا الطرفين ، وعلم أنَّ المعركة لا تنتهي أبداً مادام الجمل واقفاً على قوائمه قال : « إرشقوا الجمل بالنبل ، واعقروه والا فنيت العرب ، ولايزال السيف قائماً حتى يهوي هذا البعير إلى الأرض ». فقطعوا قوائمه ، ثُمَّ ضربوا عجز الجمل بالسيف ، فهوى إلى الأرض وعجَّ عجيجاً لم يُسمع بأشدِّ منه. فتفرَّق من كان حوله كالجراد المبثوث ، وبقيت قائدة المعركة لوحدها في ميدان الحرب! وانتهت المعركة بهزيمة المتمرِّدين من أصحاب الجمل.
أمَّا الإمام عليه السلام فقد هاله موقف المسلمين منه ، حتى ساقهم هذا العصيان والتمرُّد على الحقِّ إلى مثل هذا المصير ، فوقف بين قتلاه وقتلى المتمرِّدين ، تحيط به هالة القلق والتمزُّق فقال : « هذه قريشٌ ، جَدَعْتُ أنفي وشفيتُ نفسي ، لقد تقدَّمت إليكم أُحذِّركم عضَّ السيوف ، وكنتم أحداثاً لا علم لكم بما ترون ، ولكنَّه الحَين (2) ، وسوء المصرع ، فأعوذ بالله من سوء المصرع » (3) ؟.
ثمَّ أمر عليٌّ عليه السلام نفراً أن يحملوا هودج عائشة من بين القتلى ، وأمر
____________
1) سير أعلام النبلاء ( ترجمة الإمام عليٍّ ) : 255 ، وانظر ، الكامل في التاريخ 3 : 128.
2) الحين : الهلاك.
3) الإرشاد 1 : 254.

--------------------------------------------------------------------------------

( 204 )

أخاها محمَّد بن أبي بكر أن يضرب عليها قُبَّةً ، وقال : « انظر هل وصل إليها شيء من جراحة » ؟ فأدخل رأسه في هودجها ، فقالت : من أنت ؟ قال : أبغض أهلك إليك. قالت : ابن الخثعمية ؟ قال : نعم. قالت : يا بأبي ، الحمد لله الذي عافاك (1) ‌ ؟!
فلمَّا كان الليل أدخلها أخوها محمَّد بن أبي بكر البصرة ، في دار صفية بنت الحارث ، ثمَّ دخل الإمام عليه السلام البصرة فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى والمستأمنة..
ثمَّ جهَّز عليٌّ عليه السلام عائشة بكلِّ ما ينبغي لها من مركبٍ وزادٍ ومتاعٍ وغير ذلك ، وبعث معها كلَّ من نجا ، ممَّن خرج معها ، الا من أحبَّ المقام ، واختار لها أربعين امرأةً من نساء البصرة المعروفات ، وسيَّر معها أخاها محمَّد بن أبي بكر (2) .
وقيل : إنَّه لمَّا أُخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل ، فتكلَّم فيه الحسن والحسين عليهما السلام فخلَّى سبيله فقالا له : « يبايعك ، يا أمير المؤمنين ؟ » فقال : « ألم يبايعني بعد قتل عُثمان ، لا حاجة لي في بيعته ، أما إنَّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الأُمَّة منه ومن ولده موتاً أحمر ». فكان كما قال عليه السلام (3) .
ورُبَّ سائل يسأل : ما هي الآثار التي تركتها فتنة الجمل ؟
فيُجيب الأستاذ محمَّد جواد مغنية بقوله : « لولا حرب الجمل لما كانت
____________
1) الكامل في التاريخ 2 : 140.
2) الكامل في التاريخ 2 : 144.
3) إعلام الورى 1 : 340.
--------------------------------------------------------------------------------

( 205 )

حرب صفِّين والنهروان ، ولا مذبحة كربلاء ، ووقعة الحرّة ، ولا رُميت الكعبة المكرَّمة بالمنجنيق أكثر من مرَّة ، ولا كانت الحرب بين الزبيريِّين والأُمويِّين ، ولا بين الأُمويِّين والعباسيِّين ، ولما افترق المسلمون إلى سُنَّة وشيعة ، ولما وجد بينهم جواسيس وعملاء يعملون على التفريق والشتات ، ولما صارت الخلافة الإسلامية ملكاً يتوارثها الصبيان ، ويتلاعب بها الخدم والنسوان.
لقد جمعت حرب الجمل جميع الرذائل والنقائص ، لأنَّها السبب لضعف المسلمين وإذلالهم ، واستعبادهم وغصب بلادهم ، فلقد كانت أوَّل فتنةٍ ألقت بأس المسلمين بينهم ، يقتل بعضهم بعضاً ، بعد أن كانوا قوَّةً على أعدائهم ، كما فسحت المجال لما تلاها من الفتن والحروب الداخلية التي أودت بكيان المسلمين ووحدتهم ، ومهَّدت لحكم الترك والديلم والصليبيِّين وغيرهم. وباختصار لولا فتنة الجمل لاجتمع أهل الأرض على الإسلام ، لأنَّ رحمته تشمل الناس أجمعين ( وَمَا أرْسَلْنَاكَ الا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين ) وقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّما أنا رحمة مهداة » » (1) .
عليٌّ في طريقه إلى الشام ، وحرب صفِّين :
لمَّا انتهت فتنة الجمل استعدَّ الإمام إلى حرب معاوية ، فوجد حماساً وتجاوباً من أهل الكوفة ، فقد كان قسم كبير منهم قد اشتركوا معه في معركة الجمل ، وهم الآن يريدون أن يضيفوا نصراً جديدا للإسلام.
ثمَّ إنَّ الإمام وقبل حرب صفِّين قد أرسل إلى معاوية السفراء والكتب
____________
1) فضائل الإمام عليٍّ : 138 ـ 139.

--------------------------------------------------------------------------------

( 206 )

يدعوه الى الطاعة والدخول فيما دخل المسلمون من قبله ، لكنَّه لم يستجب لطلبه ، بل أظهر الشدَّة والصلافة في ردِّه على رسائل الإمام ، واختار القتال على الصلح والمسالمة.
في هذه الأثناء تجهَّز معاوية بجيشٍ ضخمٍ واتَّجه به صوب العراق ، ولمَّا بلغ أمير المؤمنين خبره جهَّز جيشه ، واتَّجه نحو الزحف ، ليقطع عليهم الدخول إلى أرض العراق ، لما في ذلك من قتل ونهب وفساد كبير.. فكان من ذلك حرب صفِّين ، وبالشعار السابق نفسه : « دم عُثمان »!
فتمرَّدوا وأعدُّوا العدَّة لمحاربة إمام المتَّقين.. فهم لم يخرجوا في طلب الثأر لعثمان ، بل كان خروجهم ضدَّ الإمام ، وضدَّ الإسلام كلِّه ، والثأر لأنفسهم ، ونرى ذلك واضحاً من كلام ابن العاص مع معاوية على الشعار المزيَّف ، حيث قال عمرو بن العاص لمعاوية :
واسوأتاه! إنَّ أحقَّ الناس الا يذكر عُثمان لا أنا ولا أنت!
قال معاوية : ولِمَ ويحك ؟!
قال : أمَّا أنت فخذلته ومعك أهل الشام! وأمَّا أنا فتركته عياناً وهربتُ إلى فلسطين!
وقال له : أما والله ، إن قاتلنا معك نطلب دم الخليفة ، إنَّ في النفس ما فيها ، حيث نقاتل مَنْ تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكنَّنا أردنا هذه الدنيا (1) !! فأيُّ مكرٍ هذا الذي رأيناه من كلامهما ؟! على مثل ذلك أعدُّوا العدَّة
____________
1) انظر : الكامل في التاريخ 3 : 163 ـ 172 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 184 ـ 186 ، شرح نهج البلاغة 2 : 62 ـ 66.

--------------------------------------------------------------------------------

( 207 )

لمحاربة الخليفة الجديد ، فهؤلاء هم القاسطون الذين كرهوا خلافة الإمام عليٍّ عليه السلام.
ووصل الإمام إلى صفِّين في ذي القعدة ، وابتدأت الحرب في أوَّل ذي الحجَّة سنة 36هـ ، وحصلت الهدنة في المحرم سنة 37 هـ ، واستؤنف القتال في أوَّل صفر ، وانتهى في 13 منه (1) ، وعسكر الإمام بالنُخيلة ، وعقد لواءه لغلامه قنبر.
ونزل معاوية بمن معه في وادي صفِّين ، وأخذ شريعة الفرات ، وجعلها في حيِّزه ، وبعث عليها أبا الأعور السُّلمي يحميها ويمنعها.. وبعث أمير المؤمنين صعصعة بن صوحان إلى معاوية ، يسأله أن يخلِّي بين الناس والماء ، فقال معاوية لأصحابه : ما ترون ؟ فبعضهم قال : امنعهم الماء ، كما منعوه ابن عفَّان ، اقتلهم عطشاً قتلهم الله ، لكنَّ عمرو بن العاص حاول أن يقنع معاوية بأن يخلِّي بين القوم وبين الماء ، فرجع صعصعة فأخبره بما كان ، وأنَّ معاوية قال : سيأتيكم رأيي ، فسرَّب الخيل إلى أبي الأعور ليمنعهم الماء.
ولمَّا سمع عليٌّ عليه السلام ذلك قال : « قاتلوهم على الماء » ، فأرسل كتائب من عسكره ، فتقاتلوا واشتدَّ القتال ، واستبسل أصحاب الإمام أشدَّ استبسالٍ ، حتى خلَّوا بينهم وبين الماء ، وصار في أيدي أصحاب عليٍّ عليه السلام.
فقالوا : والله لا نسقيه أهل الشام!
فأرسل عليٌّ عليه السلام إلى أصحابه أن : « خذوا من الماء حاجتكم وخلُّوا عنهم ، فإنَّ الله نصركم بغيِّهم وظلمهم » (2) .
____________
1) فضائل الإمام عليٍّ : 142.
2) أنظر : الكامل في التاريخ 3 : 167 ، وسير أعلام النبلاء ( سيرة الخلفاء الراشدين ) : 267 مختصراً.

--------------------------------------------------------------------------------

( 208 )

بهذا الخُلق الكريم عامل أمير المؤمنين عليه السلام أشدَّ مناوئيه..
ثمّ دعا عليّ عليه السلام جماعة من قادة جنده ، فقال لهم : « ائتوا هذا الرجل وادعوه إلى الله والى الطاعة والجماعة ».
ففعلوا ما أمرهم به ، لكنَّ معاوية قال لهم بعد أن سمع كلامهم : انصرفوا من عندي ، فليس بيني وبينكم الا السيف ، وغضب القوم ، وخرجوا ، فأتوا عليَّاً عليه السلام فأخبروه بذلك..
واحتدم القتال بين الطرفين ، فاقتتلوا يومهم كلَّه قتالاً شديداً لم يشهد له تاريخ الحروب مثيلاً ، ثُمَّ تقدَّم الإمام عليٌّ عليه السلام بمن معه يتقدَّمهم عمَّار بن ياسر ، ولمَّا برز لعمر بن العاص قال عمَّار : « لقد قاتلت صاحب هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرّات ، وهذه الرابعة ما هي بأبرَّ وأنقى » (1) يعني : راية معاوية.
وقال حبَّة بن جُوَين العُرَني : قلتُ لحذيفة بن اليمان : حدِّثنا فإنَّا نخاف الفتن.
فقال : عليكم بالفئة التي فيها ابن سُميَّة ، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : « تقتله الفئة الباغية الناكبة ( الناكثة ) عن الطريق ، وإنَّ آخر رزقه ضَياح من لبن » ، وهو الممزوج بالماء من اللبن ، قال حبَّة : فشهدته يوم قُتل وهو يقول : ائتوني بآخر رزقٍ لي في الدنيا ، فأُتي بضياحٍ من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء ـ فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة ـ فقال :


اليوم ألقى الأحبَّة * محمَّداً وحزبه

____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 187 وانظر سير أعلام النبلاء 2 : 265.

--------------------------------------------------------------------------------

( 209 )

والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر؛ لعلمت أنَّنا على الحقِّ وأنَّهم على الباطل ، ثم قُتل (1) رضي الله عنه وأرضاه..
وقد تضعضع الكثيرون من أتباع ابن أبي سفيان لموقف عمَّار ، لأنَّ مقولة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه لم تكن خافيةً على أحدٍ من الناس : « فطوبى لعمَّار تقتله الفئة الباغية ، عمَّار مع الحقِّ يدور معه كيفما دار » وهذا كلُّه من دلائل نبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان ذو الكلاع قد سمع عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمَّار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية ، وآخر شربةٍ تشربها ضَياح من لبن » ، فكان ذو الكلاع يقول لعمرو : ما هذا ويحك يا عمرو ؟ فيقول عمرو : إنَّه سيرجع إلينا.
فقُتل ذو الكلاع قبل عمَّار مع معاوية ، وأُصيب عمَّار بعده مع عليٍّ عليه السلام.
فقال عمرو لمعاوية : ما أدري بقتل أيُّهما أنا أشدُّ فرحاً ، بقتل عمَّار أو بقتل ذي الكلاع ؟ والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمَّار لمال بعامَّة أهل الشام إلى عليٍّ (2) ، فأشرق وجه معاوية لذلك!
ولمَّا قُتل عمَّار ، قال عليٌّ لربيعة وهمدان : « أنتم درعي ورمحي » فانتدب له نحو من اثني عشر عليه السلام وتقدَّمهم عليٌّ على بغلة ، فحملوا معه حملة رجلٍ واحدٍ ، فلم يبقَ لأهل الشام صفٌّ الا انتقض ، وقتلوا كلَّ من انتهوا إليه.. حتى رأوا الظفر.
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 188.
2) الكامل في التاريخ 3 : 188.

--------------------------------------------------------------------------------

( 210 )

واستمرَّ القتال ليلةً كاملة حتى الصباح. فتطاعنوا حتى تقصَّفت الرماح ، وتراموا حتى نفد النبل ، وكان الأشتر في الميمنة وابن عبَّاس في الميسرة وعليٌّ عليه السلام في القلب ، والناس يقتتلون من كلِّ جانبٍ ، حتى أصبحوا والمعركة خلف أظهرهم.
رفع المصاحف.. « كلمة حقٍّ يُراد بها باطل » :


رد مع اقتباس
 
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت المدينة المنورة. الوقت الآن : 03:00 PM.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة العوالي الثقافية
ما ينشر في شبكة العوالي الثقافية لا يمثل الرأي الرسمي للشبكة ومالكها المادي
بل هي آراء للكتاب وهم يتحملون تبعة آرائهم، وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Privacy Policy by kashkol